مـن الـذاكــرة الــكـرناويه المناضل احمد الشيخ زايد - الجزء الخامس والأخير

بقلم الأستاذ: عبدالقادر شيخ حسين شيخ زايد - أبو رأمي

• اشــاعة انباء ان احمد يرابط بجيشه ويتأهب لهجوم على كــرن.
• رب ضارة نافعة.
• وماتدري نفس بأي ارض تموت.

احمد الشيخ زايد

بعد ان حكم على احمد بالنفي الى اقليم القاش بركا واصطحبه الضابط محمد علي قرقوش (كان لتوه نزل المعاش) الى مزرعته لم يرق الامر لأحد العملاء بعد ان شاهد احمد وقد اطلق سراحه فحدثته نفسه بأن يوقع بأحمد بصورة او بأخرى فقام بإبلاغ الجنرال تسفاي بأن هناك انباء وصلت الي تقول بأن احمد ظهر بضواحي مدينة (حقات) يقود جيشا مدججا بالسلاح لمحاربتنا.

جن جنون الضابط الاثيوبي تسفاي وهدد وتوعد وارغى وازبد واقسم ان يجعل من احمد عبرة.

وانتشر الخبر سريان النار في الهشيم وبدت اسارير الفرح في وجه العميل وحدث نفسه بأن خطته ستنجح.

وصل الخبر الى اقارب احمد وانزعجوا من هذا الخبر والذي قد يضع الضامنين لأحمد وراء القضبان.

علم الأهل بعد البحث المضني ان احمد يوجد في مدينة اغردات بصحبة المناضل جابر سعد (وآنذاك كانت مدينة اغردات محررة وفي قبضة جبهة التحرير الارتريه).

التقى الضابط ذو الاصول الارتريه والمتعاون مع الثوار ببابكر الطاهر وقال له ما هذا الخبر الذي اسمعه عن احمد فنفى الخبر وقال له احمد بعيد كل البعد عن هذه الاشاعات المغرضه وهو في مدينة اغردات ولا يمارس اي نشاط سياسي واخبره بانهم قبل ايام وبصحبة حرمه سجلوا له زيارة ووجدوه بخير واطمأنوا عليه.

فرح الضابط المتعاون لهذا الخبر وقال واسارير الفرحه بادية على محياه: اذن انتصرنا !!

في اليوم التالي تحرك بابكر الطاهر مصطحبا ابراهيم اُكُدْ وهو صاحب تكسي مشهور بكرن (وهومجند في الخلايا الوطنيه السريه).

استقلوا السيارة وبدأت السيارة تطوي الارض طيا حتى وصلوا مدينة اغردات في وقت وجيز والتقوا بأحمد وحكوا له الشائعة التي اضحت حديث الشارع الكرني واصطحبوا احمد معهم عائدين لـكرن ليضحضوا هذه الاشاعه.

وصلوا مشارف المدينه وماان رأى احمد معالم كرن حتى بدت اسارير الفرح على محياه وبدى يبتسم لهذه العوده التي طالت لمدينته التي احبها وفرح بعودته لأهله واصدقائه وبنيه وبناته.

قال له العم بابكر لنذهب الى البيت ومن ثم لمكتب الجنرال ! رفض احمد الفكره وقال له لن ادخل بيتي واقابل الاهل والاقارب قبل ان اصلي ركعتين في المسجد العتيق صلاة شكر لربي الكريم الذي اعادني بسلام وحمده وشكره على نعمه وافضاله عليه وعلى العودة الظافره وكانت لحيته طويله وقد غيرت بعض ملامح وجهه قليلا.

وصل احمد لحي حلة سودان حيث الاهل والعشيرة وطال العناق وسالت دموع الفرحه بهذه العوده وعند الصباح توجه بصحبة ضامنيه المذكورين في الحلقه السابقه يتقدمهم العمده حسب الله حمددين متوجهين الى شركة (شيشيتا) التي تحولت الى ثكنة عسكريه وسجن لأبناء الوطن الشرفاء بعد ان كانت مصنع للزراير.

لسوء حظ العميل كان متواجدا مع اسياده لحظة وصول احمد وضامنيه الى محطة شيشيتا فما ان رأى احمد وبصحبته رجال تكسوهم الهيبة والوقار حتى اصيب بصدمة وشحب لونه واتضحت الاكذوبه التي خضع بها الضابط وانقلب السحر على الساحر.!!!

دخل احمد علي الضابط برفقة ضامنيه ورحب بهم واكد لهم ان تلك الشائعات التي ارادوا بها ايقاع احمد ماهي الا اكذوبة.
وقال الضابط لاحمد منذ اليوم فصاعدا انت حر في هذا الوطن المترامي اسرح وامرح فيه كماتشاء سافر كما تشاء واسكن في اي بلد او قرية كما تشاء وخرج احمد واخوته واصحابه من المكتب مرفوعي الراس .

سبحان الله ! قيل (رب ضارة نافعة) العميل اراد ان ينتقم من احمد فنفعه من حيث اراد ان يضره.

بعد هذا الاختبار العصيب والذي نجح احمد في تخطيه قال بابكر الطاهر لصديقه احمد بعد الآن اما ان تتوقف ـ ولا اظنك ـ والا غادر هذه المدينة لوجهة اخرى.

احمد رغم توسلات صديقه لم يتوقف لأنه رجل يؤمن بعدالة قضيته يعرف ان المشوار طويل والعقبة كئود والثمن ليس باليسير ولابد من مواصلة المسيرة حتى النصر.

لكأن شعاره كان يردد مع المناضل والشهيد الفلسطيني علي محمود رحمه الله:
سأحمل روحي على راحتي
واُلقِي بها في مهاوي الردى
فإما حياة تسر الصديق
واما ممات يغيظ العِدى.

سجن مرة اخرى:

هذه المرة ضبط احمد وبصحبته سكر وسجاير وعملة ولحسن حظه العملة كانت مخبأة في العمة وماان رآهم متجهين نحوه لإعتقاله حتى قام بحيلة ناجحة ارخى سرواله وكأنه يقضي الحاجه واخرج الفلوس ودفنها في الارض.
اعتقلوه واقتادوه نحو السجن.

تحرك صديقاه الحميمان صالح حقوص (رحمه الله) وبابكر الطاهر (مد الله في عمره) فوجدوا احمد وهو يحمل ممنوعاته في كتفه وكانت تلك الطلبات ستصل الي المناضل سليم ادريس عقماي وتشمل الشدة والسجاير والسكر.

ونفى احمد لدى المحكمه ان تكون هذه البضائع للثوار بل قال انها له ويملك دكان في الريف.

ذهب كل من بابكر وصالح حقوص لمسئول الماليه ويدعى (اسمروم) واخبروه بماتعرض له من اعتقال فطمأنهم اسمروم وقال لهم السجاير ستأتي الينا وما على احمد الا ان ينفي انها له وبالفعل صودرت تلك الكراتين وغرم احمد وخرج من السجن.

اسمروم كان دوره وطنيا ومشرفا في انقاذ وتبرأة احمد وقد كانت علاقةاحمد بالقسيس (بادري مكئيل) قوية علاقة ود واحترام بابناء الشيخ زايد كانت ومازالت حتى اليوم.

ومازال الاب بادري حيا يرزق وقد كان يستعين العم احمد زايد بسيارته في تمرير مستلزمات الثوار لان سيارة القساوسه قل ان تتعرض للتفتيش.

وهذا مايؤكد اان الشعب الارتري صغيره وكبيره شيبه وشبابه ذكره وانثاه قساوسته وشيوخه كان متعلقين بثورتهم العادله.

كان شعبا متماسكا لم تهزه النعرات القبليه والطائفيه والجهويه كما نشاهده في باقي الدول وهذا من فضل الله علينا ولولا تضافرنا سويا لما كانت ارتريا حرة ابية.

آخر سجون احمد:

آخر سجن تعرض له احمد كان قبل تحرير مدينة كرن بسنه او سنتين تقريبا وكان اول تحريرلمدينة كرن عام 1977 علي يد الجبهة الشعبيه لتحرير ارتريا.

يقول الاخ زايد شيخ حسين زايد بعد ان يئسنا من تحديد مكان عمي احمد جمعتني الصدفة وانا مسافر لاسمرا بضابط اثيوبي في الباص وبعد اخذ ورد معه قلت له ان لي عمًا مسجونا وساقوه لمكان مجهول فهلا ساعدتني في معرفة مكانه ؟
وواعدني بعد عودته للبحث عن مكانه.

وحمدا لله بعد عودته لكرن اتصل بي واخبرني انه في سجن شيشيتا ومن ثم اصبحنا نذوره صباح مساء وذكر لي الضابط ان وضعه الصحي سيئ وبعد عدة شهور وصموده علي عدم البوح بالاسرار اخرجوه بعد ان نحل جسمه وتيبست اياديه واصبحت شبه مشلولة واتذكر حينها لقد كنت صغيرا في السن دخل العم احمد بيته ووضعه كأنه مصاب بمرض نفسي وقليل الكلام ولحيته وقد وصلت الى سرته لطولها. وحسب ماسمعت ان له صورة تذكاريه وهو طويل اللحيه نحيل الجسم التقطهابعد خروجه من السجن مباشرة للذكرى حتى تكون شاهدة علي وحشية المستعمر وقساوته.

وقد كانت فرحة الاهل كبيرة بخروجه من السجن وتعهده اخوته بكل مايتطلب من اكل وشرب وعرض علي الطبيب حتى يستعيد صحته ووزنه الذي وصل في حال لايحسد عليه.

وتقول الاخت فوزية عبد القادر مزين بعد خروج احمد من السجن تيبست يداه من شدة الضرب والاسر والصعق بالكهرباء وكانت حرمه عيشه آدم بابكر وابنه ياسين احمد يتعاونان في ايصاله للمرحاض لانه وصل الى مرحلة لايستطيع فيه ربط تكته وقد كانت يداه ورجلاه يوضعان في قربة مملوءة بلبن الابل لساعات لان لبن الابل يساعد على إِلاَنَةِ الشرايين المتيبسه.

هذه السجون وما سببته له من امراض تخطاها احمد بثبات وصمود منقطع النظير.

ولقد قال عنه ابن شقيقته كمال شفا (لو ان انسانا يرحل قبل ان ينقضي اجله لرحل خالي احمد من شدة التعذيب).

ولقد ذكرني كمال بالعلاقة التي النضاليه التي كانت تربطه بالعم محمد مرانت (صاحب احمد في العمل السري) حيث كان يصحبه بصحبة حماره الابيض من جناين آل شيخ زايد ويوصله الي قرية وازنتت حيث جبال انسي وقلندي التي كان يرابط بها الثوار وبعد ان يكمل لقاءاته والنقاش معهم في المواضيع الوطنيه والآنيه والاقامة معهم لعدة ايام كان يعود اليه كمال في وازنتت ويدخلان معا مدينة كرن.

سطر احمد ورفاقه بالداخل اروع الملاحم البطوليه وسجلت اسمائهم في سفر النضال الخالد.

اما اولئك العملاء الذين تفرغوا لمطاردة المناضلين والفدائيين فقد كان مصيرهم الموت المحتوم اِما بأيدي الثوار جزاءا وفاقا واِما علي ايدي العدو المستعمر فقد لفظهم بعد ان استخدمهم في مصالحه ثم تخلص منهم.

واذكر قصة حكاها لي العم سليمان شيخ زايد ان احد الخونه بعد ان دخل من الميدان طواعية وارتمى في احضان العدو وقال لهم انه علي استعداد ليدلهم علي مخابئ الاسلحه والالغام في الريف وفرح المستعمر لهذا الصيد الثمين.

البسوه ملابس عسكريه واستغل معهم طائرة وعثروا علي مكان مخابئ الاسلحه.

ولكن انظروا ماذى فعلوا به بعد عودتهم !! خلعوا ملابسه وحكموا عليه بالسجن خمس سنوات فقال لهم اهذا مااستحقه بعد هذه الخدمة الجليله لكم ؟

فقالوا له احمد ربك اننالم نقتلك .!!!

وقد ذهبوا هو ومن علي شاكلته لمزبلة التاريخ.

ولقد قال فيهم النازي هتلر(ان اسوء الناس هم الذين ساعدوني على احتلال اوطانهم).

وذات مرة استخدم نابليون الغازي الفرنسي احد المرتزقه ليساعده علي احتلال بلده فوافق العميل وبعد ان انتصر نابليون في مهمته طلب احضار العميل ورمى له بعد النقود جزاء خدمته فقال له العميل يكفيني شرفا ان اسلم عليك ؟

فرد عليه نابليون قائلا: ان كنت تريد الفلوس فهي دونك.

اما يدي فلا اصافح بها من خانوا اوطانهم !!!

اما احمد شيخ زايد ومن كانوا علي شاكلته فقد دخلوا التاريخ من اوسع ابوابه ماذكر الوطن الا وكانت اسماؤهم في الصدارة رحم الله الاموات ومد في عمر الاحياء.

احمد كان رجلا ربانيا وكأن شعاره كان الحكمة التي تقول (ثلاثه ينبغي المحافظة عليها الدين والوطن والشرف).

كانت له صداقات حميمه اذكر منها صديقه محمد بخيت يبات من بركنتيا كانت علاقة ثورية تعمقت وتجذرت وقد كانا يجوبان السهول والوديان والجبال باحثين عن الثوار ويعودان محملان بالمناشير والوصايا وقد كان محمد بخيت لايبيت في مكان آخر عند قدومه لكرن الا مع صديقه احمد رغم وجود الاهل والاقارب والمؤسف ان علي بخيت رحل قبل ثلاث سنوات ودفنت معه نضالاته وذكرياته (رحمه الله).

ومن اصدقائه ايضا ادريس محمدعلي اكتي وابراهيم اسماعيل والاستاذ ادريس ادم ومحمد سعيد علاوة علي المذكورين في داخل المقالات الخمس وآخرون قد لا تسعف الذاكرة لحصرهم.

العم احمد في مرضه الذي توفي فيه اصبح يعاني من آلام في جسده واصبح يعاني من ضيق في التنفس.

توجه للعاصمة اسمرا لاجراء فحوصات ووصوله لاسمرا تزامن مع مجيئ زوجة ابنه امين حيث كان يقيم ابنه آنذاك في اديس اببا وسافر مع زوجة ابنه لاديس بالحاح من ابنه امين لاجراء الفحوصات الطبيه هناك لعل الله يمن عليه بالشفاء.

ولكن بعد وصوله لاديس وفي مدة لم تتجاوز الاسبوع اسلم روحه الى بارئها وصعدت روحه الى الرفيق الأعلى.

ومن مفارقات الاقدار انه توفي في اديس ودفن بها في موكب مهيب يليق بمكانة هذاالرجل الشهم والوطني الصلد وصدق القائل (الرزق يأتيك والحفره تناديك) وصدق الله جل جلاله عندماقال (وماتدري نفس بأي ارض تموت).

ولقد قال الشاعر العربي:

مشيناها خطىً كتبت علينا
ومن كتبت عليه خطىً مشاها
ومن كانت منيته بأرض
فليس يموت في ارض سواها

الوطن الذي عانا ماعانا احمد من اجله تحرر واستقل علي ايدي ابنائه وبناته الميامين انه الجيش الشعبي الذي دك حصون المستعمر.

الراية التي حملها عواتي لم تخبو جذوتها رغم العقبات ووصلت لنهايتها المنشودة وكان تحريري الوطن في عام 1991 وكانت وفات العم احمد عام 1996 اي بعد خمس سنوات من تحرير تراب الوطن وقد تجاوز من العمر خمسة وستون عاما.

الارحم الله العم احمد شيخ زايد وانزل عليه شآبيب رحمته وجعل قبره روضة من رياض الجنةوانزله منازل النبيين والصديقين والشهداء والصالحين بقدر ماقدم لهذا الوطن العزيز ورحم الله الشهداء جميعا.

صوت شكر لكل الذين امدوني بمعلومات (ذكورا واناث) عن نضال احمد شيخ زايد.

Top
X

Right Click

No right click