شهادة ابن مختفي قسريا في إرتريا

بقلم الأستاذ: رمضان حاج محمد - أحد أبناء المختفين قسريا

الحاج محمد علي محمود، مواطن من مدينة جيلوي والتي تنطق في غالب الأحيان بجلوج في منطقة قاش بركة.

لقد تم اعتقال الحاج محمد في عام 2000م في مدينة أسمرة ولم يرى له أي أثر منذ ذلك الحين حيث تم إخفائه قبل سبعة عشر سنة.

لكن أسرته وأقاربه مازالوا يدعون له بالفكاك من الأسر وهم بذلك يرتقبون بقلق رجاء أن يروه مرة أخرى.

ولد الحاج محمد في الرابع عشر من يناير من العام 1946 ودرس الإبتدائية في السودان، ومن ثم إنتقل إلى مصر وأكمل دراسته الثانوية. ثم عاد بعد ذلك إلى أرض الوطن في عام 1965م بعد أن مضى على اندلاع الكفاح المسلح بضع سنوات في أرتريا من أجل تقرير المصير.

خلال سنوات شبابه، كان الحاج محمد نشيطاً ومكافحا حتى وصل إلى ميناء السودان حيث يقيم الكثير من الإرتريين المهجرين والمنفيين.

وفي سفرياته، كان يقوم بنشر الوعي حول القضية الإريترية وجمع المال لدعم الكفاح المسلح.

لقد درس الحاج محمد التمريض وكان نشيطاً في الاعتناء بالجرحى من المحاربين الذين كان يتم نقلهم إلى السودان لتلقي العناية الصحية. لم يشغل الحاج محمد شيء في حياته كما شغله الكفاح من أجل نيل الحرية وجلب السلام لشعبه، وقد انتهت الرحلة الطويلة لتحرير تراب إريتريا بانتصار القوات المسلحة الإريترية في 24 مايو 1991م ووجد الحاج محمد نفسه رئيساً لجهاز الأمن الداخلي في قاش بركة حيث تم تسليمه سيارة لاند كروزر وسائق يدعى بشير.

قال رمضان: "كان أبي كثيراً ما يتردد على أسمرة، كرن ومناطق أخرى وكان يجوب البلاد ولا يُرى إلا في أسفاره".

في عام 1996م، تم تعيينه في وزارة الشؤون الداخلية وكان يحضر اجتماعات القادة المخضرمين حيث أتذكر منهم الوزير محمود أحمد شريفو، وهو أحد أفضل رفاقه والذي تم اعتقاله في نفس الوقت مع والدي".

بعد نهاية الحرب على الحدود مع أثيوبيا، "يقول الشهود الذين مازالوا على قيد الحياة في إريتريا والذين يتم التكتم على هوياتهم لدواعي أمنية، أن والدي كان دائماً ما يحمل مسدساً وبندقية".

وفي مرة، قام عبدالله أشاكو والذي كان يعمل حارساً في السجن بإحضار بعض المعلومات عن أسرة الحاج محمد، على الرغم من أن عبدالله وحاج محمد كانا قد تعرفا على بعضهما في السجن إلا أنهما تظاهرا بعكس ذلك. قال عبدالله أن حاج محمد طلب منه إبلاغ إخوانه وأطفاله أنه كان في المعتقل لأسباب لا يعلمها، ويظن المكان المغيب فيه يقع على أطراف مدينة أسمرة.

وقال عبدالله أيضاً أن هناك مجموعة يتم التحقيق معها في نفس السجن وقد تم نقلهم لاحقاً مع الحاج محمد إلى السجن في قرمايكا بالقرب من الحدود السودانية. كانت هذه آخر معلومة تلقاها أقارب الحاج محمد عنه، وإلى يومنا هذا لا يُعلم عنه شيء. يقول ابنه رمضان، "والدي ليس الوحيد بل هناك الكثير من المواطنين مثله الذين اختفوا في سجون النظام".

وبيّن رمضان أن أسرهم لاذوا بالفرار إلى السودان خلال حرب الحدود في 2000م وعادوا بعد أن غادرت القوات الإثيوبية المنطقة. وقال: "بدأنا بالسؤال مباشرة عن والدي لنعرف ما إذا كان حياً... لكن أصدقاؤه كانوا يخبروننا أنه كان في أسمرة وأنه سيعود إلينا حال انتهائه من عمله، أي بعد سنة تقريباً".

لم تستوعب الأسرة تلك الأجوبة لكنها استمرت في الانتظار حتى صارت الأيام أعواماً.

كان الحاج محمد يملك مطعماً وفندقاً في قلوج، لكنه تم تدميرها تماماً خلال الاحتلال الإثيوبي المسلح للمنطقة. لاحقاً، أعادت الأسرة تشغيل الأعمال من أجل توفير لقمة العيش، لكن قام موظفون حكوميون بإصدار أمر لإغلاق أعمالهم وتم إبلاغ الأسرة أنه ليس بمقدورها ممارسة أعمالها ولا يمكنها البيع دون إذن من الحكومة". عاشت الأسرة ذعراً واضطراباً إلى أن سمحت الحكومة للأسرة بتأجير الأعمال لآخرين وأبلغتهم أنه لن يتم تجديد ترخيص أعمالهم تحت ملكية الأسرة. وواصل الرسميون تحذيرهم للأسرة حيث قالوا: "يجب عليكم السكوت عن هذا وعدم التحدث عنه لأيٍ كان مرة أخرى".

لدى الحاج محمد ثمانية أطفال، بنتين وستة بنين من زوجته سمية أحمد إدريس. يقول رمضان، "لقد مات جدي وهو ينتظر أن يسمع عن ابنه، والدي".

وأضاف، "عشت مع جدتي حيث غادرنا وبكينا باستمرار ليلاً ونهاراً... ولدي أخٌ صغير لا يعرف ما حدث لوالدي". وهو كثيراً ما يسأل عنه.. ونحن نخبره أنه في أسمرة وأنه سيرجع إلينا قريباً... والآن قد بلغ أخي الأصغر ثمانية عشر عاماً ولا أستطيع مواجهته لأنه ليست لدي الإجابات على أسئلته... ليس بمقدوري فعل شيء سوى التهرب من أسئلته.. والإلقاء باللائمة علينا حيث حجبنا عنه القصة الحقيقية حيث انتظر لأجل غير مسمى حتى يرى والده طيلة هذه السنوات".

تعهد رمضان قائلاً: "لن ننسى السجناء بل سيبقون دائماً في ذاكرتنا حيث أنهم يدفعون الثمن من أجل أن نحيا أحراراً". وواصل رفضه قائلاً، "إن الحكومة الإريترية التي أشعر بالعار لأني اعتبرها كذلك، حيث أنها عبارة عن عصابة أتت من الأدغال واستولت على البلاد... لكن الأمور ستكون أفضل مهما طال الزمن... إن بقي السجناء أحياءاً سيبقون كنزاً وطنياً، وإن ماتوا فإن لهم مكانة مشرفة في تاريخنا.

Top
X

Right Click

No right click