حزب حادي بين التطوّرات التاريخية والتحولات الفكرية

بقلم الدكتورإدريس أبوبكر إبراهيم جميل - كاتب ومتخصص في شؤون القرن الأفريقي  المصدر: وكالة زاجل الأرترية للأنباء - زينا

من الصعب لأحد أن يدعى امتلاك الآليات الكافية

حزب الوطن الديمقراطي الأرتري

لقراء ة التحولات القيمية والفكرية فى الواقع الأرتري التي اتسمت بين التبعية و الأصالة لتلك الأفكار والتيارات السياسية ؤالأيديولوجية المحلية منها والعالمية فالنضالات الإرترية تغذت من الفكرة الوطنية النابعة من الثقافة المحلية ابتداء لكنّها لم تلبث طويلا - بحكم تفاعلها مع الواقع - بل أخذت إلى جانب ذلك أبعادًا سياسية وفكرية عالمية مكنتها من إيصال صوتها للمجتمع الدولى.

وهذه الأبعاد قد تكون يسارية بمدارسها المختلفة ولبرالية بمقارباتها الشتى والإسلامية بمذاهبها المتنوعة، فالحركة الإسلامية الإرترية لم تكن بدعاً من تلك التطوّرات والتأثيرات منذ ظهورها كحركة سياسية فى سبعينيات القرن الماضى وعلى الرغم من ذلك أنّ السمة البارزة في منطلقاتها الارتباط الشديد بالواقع الإرتري ويتضح ذلك في مواثيقها السياسية التي صدرت في الأعوام 1982، 1994، 1998، 2004، 2012م ...الخ، غير تابعة لأي تنظيم دولي كما يقول قادتها، لكن لها علاقة تعاون مع الحركات المشابهة لها في المجالات العامة مع الاستقلالية التامة من الناحية التنظيمية وعلى الرغم من ذلك كان يؤخذ عليها على المستوى الفكري الارتباط الأيديولوجي وعلى المستوى الممارسة عدم التمييز بين العملية السياسية، والمؤسسات الدعوية والثقافية والاجتماعية وما حصل في المؤتمر الأخير للجزب الإسلامي الذي غيّر اسمه إلى حزب الوطن في شهر أكتوبر الماضي حسب ما جاء في البيان هو شرع في معالجة لتلك الإشكاليتين بفك الارتباط الأيديولوجي وفصل المؤسسات الدعوية والثقافية والاجتماعية من العملية السياسية وإنّ تلك التطوّرات سوف تساعد في نمو تلك المؤسسات كل على حد وذلك لسببين:-

الأوّل: أنّ العملية السياسية عملية حشدية تدافعية، تتغيرّ بسرعة تغييرات الواقع، وطبيعة المتصارعين، وقد تتعرض إلى النكسات والانكسارات، بينما المؤسسات الدعوية والثقافية والاجتماعية تهتم بالجوانب البنيوية وتحتاج إلى نمو طبيعي بعيد عن تلك الاحترابات السياسية. أمّا السبب الثاني فإنّ مظان خطابهما مختلف، فخطاب الأولى هو خطاب التدبير،

بينما الثانية: يغلب عليها خطاب التخليق والتثقيف، بعبارة ـأخرى لم يكن واضحاً عما إذا كانت الدعوة لازماً من لوازم السياسة أم أن السياسة هي من لوازم الدعوة، وأن ّأغلب الفاعلين السياسيين فيها لم يكونوا سوى الفاعلين الدعويين الذين دخلوا العمل السياسي برؤية دعوية أم العاملين في الحقل الدعوي هم في الأساس فاعلون سياسيون وبين الأمرين فرق كبير.

وأنّ التمايز الواضح بين هذه المؤسسات سوف يترك المؤسسات الدعوية والثقافية تنمو نمواً طبيعياً بعيداً عن التجاذبات السياسية وسيساعد العملية السياسية في إنتاج خطاب التدبير، وآليات سياسية لتصريفه، وتجعل العملية السياسية تخصصاً من التخصصات ذات سياق ثقافي ومجتمعي تحاول الدمج بين الدلالات الثقافية التى تقف وراء وجود الظاهرة وبين الدوافع والأسباب الإجتماعية والسياسية التى تقف وراء انتشارها وتراجعها وتعمل على مداخل ثقافية اجتماعية تساعد فاعليتها فى العملية السياسية وتؤكد حرصها على المصالحات الداخلية وعلى التواصل والحوار والبحث عن المشترك وعن الإجماع على القضايا الوطنية الكبرى كالحريات والعدل والمساواة ...ألخ.

وللتوضيح أكثر لماذا الحرص على هذا التمييز الواضح ؟

أولا - وضع فاصل بين المقدس الثابت وغير المقدس المتحول:

إنّ الحرص نابع من أنّ الإسلام كدين وكمقاصد يجب الالتزام به و وضع فاصل واضح بين المقدس الملزم من غير المقدس وهو الفعل السياسى الخاضع للاجتهاد البشرى و القابل للأخذ والرد وتعدد الآراء فيه، فتحميل الأخير بخطاب الأول فى تفصيلات الحياة السياسية قد يضر بالدين أكثر مما يعود عليه بالنفع.

فإنّ الدين لم يحدد للحكم آليات مفصلة أو مفروضة يجب على المسلم الالتزام بها ولكن يمنحنا قيما ومبادئ عامة للنظام السياسى : كالحرية، العدل، الكرامة، المساواة، ...الخ لكنه لم يفرض أية آليات سياسية معينة على البشر، لأنّ النظم السياسية قابلة للتغيير بتغير الزمان والمكان، وهذا ترك إلهي مقصود ولو كان هناك نص لأنتفت معه الشورى التي تقوم على افتراض الخلاف والاختلاف.

ثانيا - الأفكار المتطرفة تولد الشعور بالتعالي:

إن هذا التمييز قد يكشف الأفكار الشاذة والمتطرفة التي يولد منها عند البعض الشعور بالتعالي والتّميز على الآخرين وقد يطبع ذلك أطروحاتهم النظرية وسلوكهم السياسية وقد يصل بهم أحياناً الي العزلة الشعورية والإصابة بلوثة التكفير دينياً لمن اختلف معهم دنيوياً، وقد يترتب في ذلك سفك دماء أبرياء دون وجه حق وتشويه صورة الإسلام للرأي العام. ومن هنا يبدو وجيها التفريق بين الاجتهاد في الحقل السياسي مرجعه النّظر والتقدير العقلي وفهم الواقع ضمن الثوابت العامة للشرع وبين الإسلام كدين وكمقاصد يجب الالتزام به.

ثالثا - من الخطأ استخدام وصف إسلامي المتماسك في الفعل السياسي القابل للانشطار:

استخدام مصطلح حزب إسلامي أو حركة إسلامية أعتقد أنه مفهوم خطأ لأنّ أي حزب هو بطبيعته قوّة انقسامية وليست موحدة، ولكن الإسلام عنصر موحد فالجمع بينهما سيكون له تأثير سلبي في خطاب الأخير.

رابعا - العملية السياسية قائمة على الحشد الجماهيري:

الاهتمام بالمضامين لا العناوين أقصد بذلك عدم نحت أسماء توحي بالانغلاق لا الانفتاح علي الآخر فالعملية السياسية قائمة على الحشد وكسب عدد أكبر من الشارع و إن اختيار اسم عام لا يمنع أن تستصحب معك المقاصد العامة للشرع وحمل معانيها لايشترط حمل أسمائها، وهذا سيقلل من حدة خصومية الطرف المغاير وتجاوز الفرز السياسي الصارخ في الواقع الدولي والأقليمي المعقد في الوقت الحالي.

ضمن هذه السياقات يمكن القول إنّ الحزب الإسلامي سابقا وحزب الوطن حالياً كان موفقاً في إعادة قراءته للواقع وعلى ضوئه أعاد تموضعه بجعل انطلاقاته من القيّم الوطنية الأساسية: الحريات، العدالة و المساواة و الكرامة ...الخ مع محاولة تحقيق انسجام وتجانس بين قيّم المجتمع والآليات المتاحة.

• هل تحول الحزب إلى العلمانية ؟

• هل للعلمانية تفسير إيجابي ؟

• يتساءل المرء: كيف يغادر حزب إسلامي مرجعيته السابقة ويتحول إلى أخرى ؟

وإن كان الحزب لم يصرح صراحة تبنيه العلمانية الحيادية لكن يفهم من خلال أدبياته التي خرجت خلال الأسابيع الماضية هو أقرب إلى مبادئ العلمانية الإيجابية كما جاء في مقابلة أحد قياداته المشهورة. كما هو معلوم إن مفهوم العلمانية على المستوى النظري وقع بين رؤيتي التقاطع والتواصل، فالأولى تجعله ضدًا للدين وتعتمد أيديولوجية المقاطعة الرافضة للقيم والأفكار الدينية رفضًا مطلقاً، وتجعل من العلمانية فلسفة للوجود تنظر من خلاله إلى الكون والحياة والأخلاق والقيم، و هذه الرؤية تتجاهل الدور التجاوزي للتطوّرات الماورائية، والقيم الأخلاقية، وأثرها في حركة التطوّر الاجتماعي والسياسي، ولذلك هي مرفوضة من قبل أهل الديانات لمخالفتها مصائر الوجود، والمقاصد الكلية للحياة.

أمّا الرؤية الثانية فتجعله مفهوماً حياديّا يختزن التواصل ويبقى بينه وبين الدين هامش للجدل. هذا على المستوى النظري، إمّا من الناحية العملية فإن هذا المفهوم يخضع لذات المشتغل به والمقاصد من ورائه، لذا يجنح أحياناً للتطرف والرفض القيم الدينية ويلجأ أحايين أخرى للتعايش معها ـ فالفرق بين الرؤيتين الأولى تأخذ العلمانية كمبدأ وفلسفة بينما، الثانية ترى العلمانية كوسيلة يمكن الاتفاق عليها لأن تكون أداة للتعايش بين المجتمعات غير المتجانسة، فإن التفريق أمر ضروريّ بينما هو وسيلة، وما تحول من وسيلة إلى مبدأ وفلسفة، وليس كل من يقبل بالأولى يقبل بالثانية، فحزب الوطن إذا قبل بما هو وسيلة، ولم يقبل بما أعطي للعلمانية من الاعتبارات الفلسفية من قبيل النظرة للكون والحياة والقيم الأخلاقية فذلك أمر مقبول كما سيأتى توضيحه في الفقرات التالية بشكل عام إذا أسقطنا ماسبق من مفاهيم العلمانية في الواقع الإرتري فسنجد اتجاهين اثنين: اتجاه يدعي الفصل التام بين الدين والسياسة ويتبنى ذلك النظام الحاكم، والمجموعات المتفرعة منه وآخرون.

ومشكلة هذا الاتجاه على الرغم من أنّه يدعو للفصل لا الوصل بين الدين والسياسة الاّ أنه يمارس خلال 29 عاما الماضية عملية سيطرة المؤسسة السياسية على المؤسسات الدينية، وحرمها من أية استقلالية و يعيّن على رأسها من يريد، ويدعم من يريد، ويحرم البعض حتى من دعم الخيريين لها ويأمم ممتلكات البعض ويغلق أخرى، إذاً كيف يستقيم فعل الفصل والسيطرة في آن واحد ؟ إنّها السلطة المطلقة التي لا يوجد فيها ضابط يقيّد ويقنن تصرفاتها.

واتجاه آخر يرفض العلمانية وحتى نقاش هذه المسألة غير مطروح لديه، وهذا الاتجاه يشمل القطاعات المتدينة من الشعب، الحركات الإسلامية، والمؤسسات الدينية بما فيها المسيحية كما يذكر برخت هبتي سلاسي. وهذا الاتجاه أيضا لم تتشكًل لديه الرؤية الكاملة الرافضة للعلمانية، كما أنّه لم يفسح عن البديل المناسب الذي يراه، إضافة إلى ذلك فإنّ الواقع الدولى والإقليمي وأدوات القوة والنفوذ ليست لصالحه. ومما سبق يبدو إن هذا المفهوم وقع في إرتريا بين قراءتين اتسمتا بين الإفراط والتفريط وأ و صلت الطرفين في طريق مسدود، وإن تبني العلمانية الحيادية سواء جاءت من حزب الوطن أو أي حزب أخر ستساهم في كسر ذلك الجمود وتزحزح أغلب الأحزاب السياسية إلى الوسط السياسي الأمر الذي سيؤدي إلى استقرار البلد في المدى البعيد.

على العموم فإن الدين في إرتريا لم يكن طرفاً في الصراعات لذاته لكنه استخدم سياسياً لتقويض الآخر رفضاً أو إقحاماً وقد لا يحسم حتى في المستقبل إلا بالتحاكم على الشعب في جوّ ديمقراطي حرّ ونزيه وبعبارة أخرى فإن التحاكم في الفعل الاجتماعي هو السبيل الصحيح الذي يستنطق من خلاله الأنماط المعيارية المناسبة لكل خصوصية مجتمعية من جهة، وتفضح الأسلوب التجريدي الوصفي والتعميم الأيدولوجي الذي ينطلق من مركزية ثقافية لتشييد منظومات متعالية في البيئة الاجتماعية السائدة من جهة أخرى.

تنبه: لزم هنا التنبيه إنّني أعتمد في كتابة هذا المقال في كتاباتي السابقة.

Top
X

Right Click

No right click