الايقونة الفنان إدريس محمد على أحلام وطموحات وأغنيات

حاوره الإعلامي الأستاذ: أبوبكر عبدالله صائغ - كاتب وصحفي ثقافي مهتم بالتأريخ

منذ ان تغنى أحد العشاق الذى كان جنديا في الجيش الايطالى وكان عاشقاً لفتاة جميلة

وهى بنت أحد القادة العسكريين الايطاليين الذين كانوا يتواجدون فى ارتريا في فترة الاستعمار الايطالى لإرتريا، ربما يكون الشاب الارتري كان جنديا أو حارساً أو سائقاً للقائد العسكرى الايطالى لكنه عشق بنته الفتاة الجميلة فكتب لها كلمات يعكس فيها عشقه والآمه ولوعته عندما سافرت باالقطار متوجه مع والدها الى طرابلس بليبيا التى كانت تخع تحت الاستعمار الايطالى حينها وتلك الاغنية هى اغنية "بابورا تربلى سافرا" التى تغني بها الفنان/ إدريس محمد على وهو الاشهر بين زملائه الفنانين في التنقيب والبحث عن الأغانى والالحان التراثية ليقدمها لنا بصوته وأدائه في قوالب رائعة تخلب الالباب.

إن مفردات تلك الاغنية لا تخلوا من تصميم العاشق وولهه، ورغم حبه للفتاة يعبرعن اعتزازه بوطنه والتذكير بأن المستعمر ينهب ثروات وخيرات بلاده وتمنى ان ترحل تلك القوات فوراً من ارتريا دون رجعة وعبر عن أوجاعه بفقدانها بأنه لا يمكن ان يعيش بدونها في ارتريا.

وقبل ان أدلف الى ما أنوى أن أكتبه عن ذكرياتى مع الفنان الايقونة/ إدريس محمد على أردت أن أذكر بأن الارترى الذى ينتمى لهذه الامة المقاومة لايمكن أن يبيع وطنه وأيضاً لا يمكن أن يقبل بالظلم والاضطهاد وهذه الاغنية خير دليل على ذلك.

الفنان/ ادريس محمد على ومنذ بداياته الاولي وأغنيته الشهيرة "معدنيلا قليلت زريبت قندعى" ظل يتغنى للوطن وعبر عن أشواقه وحنينه حيث وثق للثورة ومنعرجاتها وهموم اللأجئين والنازحين وضحايا الحروب عبر الكلمات والألحان الثائرة والمعبرة.

صحيح ان بعض فنانين الداخل الارتري خلال فترة الاستعمار الاثيوبي غنوا على طريقة الترويدة الفلسطنية وهى نوع من الفلكور الفلسطيني كلماته بنيت على أساس أن تبدو كشفرة غير مفهومة، لكن في حقيقة الأمر أن تلك الكلمات غير المفهومة هي لغة تم اختراعها حتى لا يستطيع المستعمر البريطاني، الذي يفهم بعضًا من اللغة العربية، أن يفهمها.

خاصة إن كان الأمر يتعلق بتمرير رسائل خاصة بين المعتقلين وأهلهم. واستمر التعامل بتلك الشفرة حتى بعد النكبة وإلى الآن يوجد كثير من سكان المخيمات لا يزالون يجيدون التحدث بتلك اللغة بطلاقة.

وعلى هذا النط غني الفنان الراحل/ الامين عبداللطيف في عدد من إغنياته وكانت أغنية "فاطمة زهرة" هى الاشهر في أغانى الترويدة الارترية، كما غنى عدد من الفنانين الإرتريين أغانى رمزية مقاومة للإستعمار الاثيبوبي مثل الفنانين تولدى ردا في أغنية "شقي هبونى" وودى تكابو الاب واخرون كانوا أعضاء في فرقة أسمرا الفنية، المجال لايسع لإحصاء أغنياتهم.

سالته في إحدى المرات عن الأمر الأكثر صعوبة في مضمار الاغنية السياسية، فقال الصعوبة تتمثل في أن يتمكن من ضغط أفكاره ومزجها لجعل الأغنية بمثابة قنبلة مكثفة ومؤثرة من المعلومات، وجعل إيقاعها في الوقت نفسه "يُفعم الذهن ولا يفارقه"، قائلا إنه كان يعلم أن عليه تأليف أغنية تجيب على الأسئلة التي يطرحها الناس وتحمل رسائل ليس بالأمر السهل، خاصة إن ثورتنا مرت بمعرجات خطيرة تعقدت معها هموم المواطن الارتري الذي كان يتلهف لتحقيق لانتصارات الثوار ودحر الاستعمار الاثيوبي.

لكن لم تكن كل الرسائل التي تضمنتها تلك الأغنيات ذات طابع مباشرأحيانا مما جعله مغضوباً عليه من قبل قادة التنظيمات الارترية بسبب كلمات أغنياته المباشرة والتى كانت تنتقد ممارسات السياسيين وتعاتبهم على أوضاع عموم الشعب الارتري الذى كان يعانى من مرارات اللجوء والحرمان في الوقت الذى كان تعيش فيه اسر قادة الثورة وابنائهم واقاربهم وربائبهم في ظروف معيشية جيدة.

وهكذا كدس الايقونة إدريس محمد على أعماله الغنائية والشعرية والحانه بكل ما في تراث الأرتريين، من تقاليد الكبرياء والمعارضة، كما شحذ همم مستمعيه وصقل قدراتهم، بهدف حثهم على الانضمام إلى ركب المحاربين ضد الاستعمار والذل والهوان بما كانت تحمله من طابع اتمرد، الذي لا يمكن للمرء التصدي لتأثيره.

لا أذكر كم عدد اللقاءات التى جمعتنى مع الفنان/ إدريس محمد على، وكان أول لقاء ودى بيننا بعد نهاية حفل زواج إبنته/ عفاف إدريس محمد على التى تزوجها ابن عمها الصديق الشاعر والصيدلانى/ صالح حامد سعيد ابورزاز بقاعة "كوة" بأسمرا واعتقد كان ذلك في عام 2003م حيث كان كعادته في كامل أناقته يستقبل ضوفه وهو يقف على باب القاعة التى إكتظت بالحضور من كل رفاقه الفنانين وقادة الثورة وأعيان المجتمع لما كان يتمتع به إدريس محمد على من احترام وحب.

ثم كان لى لقاء اخر معه لتقديم لى الشكر على المقالات الثلاثة التى كتبتها عن أعماله الغنائية ونشرت في صحيفة ارتريا الحديثة في ثلاثة أجزاء متتالية في منتصف عام 2005م. وبعد هذا اللقاء توطدت العلاقة بيننا.

Top
X

Right Click

No Right Click