أنا و أترابي في عهد الثوره الاريتريه

بقلم الأستاذ: صالح محمود محمد

احداث ووقائع ليلة الخروج الأخير من المدينة، ويستطيع القارئ ملاحظة المأزق

أنا و أترابي في عهد الثوره الاريتريهالذي وجد فيه الصبية الأتراب أنفسهم بسبب تهورهم الذي ابقاهم في المدينة التي غادرها أسرهم:

وغداة النهار الأخير كان في حي فلانسا كما في كل الأحياء الأخرى، موقع تجمع للسيارات الخاصة والعامة، والناس التي تريد المغادرة تنكب إليه سواء كان افرادا أو جماعات، ولم يحملوا من أمتعتهم إلا القليل. وكانت قد طلبت أسر الصبية الأتراب من أولادها، كحال سائر الأسر، أن يتأهبوا للمغادرة معهم. إلا أن الصبية كان لهم راي آخر، قد اعربوا عن عدم رغبتهم في الخروج، وانهم قد رفضوا مغادرة المدينة، وقرروا البقاء مع الثوار.

وكانت قد لاحظت الأسر منذ أيام قليلة تغيراً في سلوك أبنائها، من جرّاء تأثرهم بالثوار، وأنهم يبالغون كثيراً في التباهي والإفتخار بتعظيم بعض الأسماء التي تعود الى المحاربين الأبطال، ويرددون إحياء أسماء الشهداء. ظلت الاُسر تضغط عليهم لكى يعدلوا عن فكرة بقائهم مع الثوار، وأن عليهم أن يخضعوا لأوامر أولياء أمورهم، دون تعنت أو عناد.

ولماّ إستشعر الصبيه، بأن أهاليهم سيجبرونهم علي إخلاء المدينة بمعيتهم، عمدوا على خطة تظاهروا فيها بالقبول على السفر مع أُسرهم، ولكنهم عندما تأهبت الأسر وشحنت امتعتها في العربات واصبح كل شيئ جاهزا، اختفى الصبيه الاتراب في اللحظة الأخيرة. ارسلوا اناساً للبحث عنهم في كل مكان، الاّ أنهم لم يجدوا لهم على أثر. وكان الصبية قد اختبؤا في ظلمة إحدى البيوت المهجورة.

ومن ناحية بعد أن تم شحن أمتعة المسافرين، أشار سائقوا العربات المستأجرة، باحانة وقت المغادرة، وعلى المسافرين أن يصعدوا على ظهر العربات، وما كان أمام الأسرَ من خيار سوى المغادرة دون أبنائها. وأن اعدادا هائلاً من السكان كانوا قد بدأوا ينزحون منذ وقت مبكرٍ من نفس اليوم واليوم الذي قبله، وكانت المغادرة هذه المرة ليست كسابقاتها، أن يختبئ الناس في وراء الجبل ثم يعودون، لا بل هذه المرة كانوا يودّعون فيها مدينتهم المحببة وبلدهم الكبير والعزيز عليهم، رحلوا مجبرين، وقلوبهم تنزف دماً، واعينهم تزرف دمعاً، ونفسياتهم كئيبةٌ حزينة، واعناقهم لا تكف عن الإلتواء نحو الوراء، لإلقاء ربما النظرة ألأخيرة عبر الأفق من الوطن المسلوب.

وكان إثنين من الأصدقاء الأتراب، قد جازف أبويهما باجراء إضطراري، حينما كاد أن ينقضي النهار، والجيش الجرار القادم من تجاه قندر، حسب تخمين الناس سيصل قريباً، وعلى وجه التقدير ستندلع الحرب الليلة، فخشيا على إبنيهما عبد القادر وقداي، فقدما عرضاً على صاحب نفس العربة التي اقلتهم الى حمدايت. ولقد قبل السائق بالعرض الذي يتضمن، البحث عن إبنيهما ثم احضارهما الى حمدايت مقابل مبلغ قدره اربع مائة بر. وبعد أن عاد الى أم حجر بحث عنهما حتى عثر عليهما فاقنعهما بالمغادرة.

كان الصبية الأتراب لم يتمكنوا من البقاء سويا في مجموعة واحدة، قد حدثت امور كثيرة قسمت المجموعة إلى قسمين. بعد مغادرة رفيقي الصبية الى حمدايت، بقي الأربعة الآخرون يصرّون على طلب تلقيهم التدريب للإلتحاق بالجبهة. وكان أحد الثوار قد حدد لهم موعدا لكي يعود اليهم بالخبر اليغين، إذا كان يمكن البدئ في إجراءات التدريب... وإن لم يكن، عليهم أن يلتحقوا بأهلهم الذين غادروا المدينة.

وكان الرد عكس ما تمناه الصبية، قد جاءهم الوسيط بالرفض، بحجة أن الصبية اصغر من أن يحملوا السلاح، وأنهم غير مؤهلين بدخول المعارك. ومن ناحيةأخرى لا وقت للتدريب، وأن المعلومات ألتي تواترت تفيد بقدوم جيش مدجج من ناحية الجنوب، ربما وصلت مقدمته إلى نهر سيتيت.، وفي مثل هذه الظروف لا وقت للتدريب، وأن السرعة التي يمر بها الوقت كانت مذهلة، وفي ظل ظروف حرجة غير مألوفة، يمضي الوقت سداً دون أن يتمكن احد من مجاراته، كأن الكوكب الذي نحن عليه زاد من سرعته متعجلاً لقطع المسافات بين فصوله الأربعة.

بقي الأتراب مجهجهين... وهم يجهلون ما يفعلون... يركضون هنا وهناك، دون الحصول على ما ينشدون. ولقد حان وقت الغروب، وشرع الظلام يحتل الأرض إحتلالاً، وعلى حين غرة داهم المدينة من مغيبها الغروب، وزحف إليها العدو من الجنوب، كأنهما يهرولان صوب المدينة متعاونين ضدها، وهي غارقة في سكون عميق، وخيم فيها ظلام الليل كثيفاً، واجوائها الظليلة الباردة تنبئ بحدث رهيب وشيك الوقوع... أينما ازوريت بأنفك تفوح أرجائها رائحة البارود، ومنذ بدئ النهار كانت تتصاعد ادخنة كثيفة تضببت بها الرؤية في بعض الأنحاء، وكانت الطائرات الحربية بأصواتها الرعدية تتحاوم في سماء المدينة دون رغيب ورادع.

بات الأتراب الاربعة الذين تخلفوا من السفر بلا مأوى، ولقد أحاط بهم الخوفٌ والشك بكل ما حولهم، توجهوا نحو بيت إبراهيم لكنه كان مغلقا عندئذ توجهوا الي بيت صالح وجدوه هو الآخر مغلقا، انحشر الأربع في الشرفة الصغيرة التابعة للمنزل، إرتأوا أن المبيت في الشرفة افضل من عدمه، فيها يمكنهم أن يتنصتوا الى أي حركة غير طبيعية.

تذكر صالح أن أمه في بعض ألأحيان عندما كانت تهم بالخروج تترك مفتاح البيت في مكان إتفقت عليه معه، فإنزوى خلف الجدار يتفقد المكان، فوجد فيه نسخة من مفتاح البيت. فتح إحدى الغرف، وأشعل ألمصباح، ثم دعى رفاقه بالدخول، وجدوا الغرفة في فوضى من ملابس صالحة للارتداء واخرى خرق بالية،وبعض ألأدوات والأواني والأوراق مبعثرة.

دخل صالح في المطبخ يبحث عن بعض الطعام، كان على الطاولة صحن مغطى، وحين رفع الغطاء كان فيه بعض الخبز، تناول الصحن وذهب به الى أصدقائه، فوزع عليهم قطعة لكل فرد وهو يقول: حسناً وجدنا ما نردع به الجوع مؤقةً.

قضوا في هذا الحال عدة ساعات وهم يتسكعون بين الغرف والحيطان، واذا ترامى الى اسماعهم صوت توقفوا عن الحركة والكلام وتزاحموا نحو شرخ الباب لمعرفة ما صدر عنه الصوت، ينظرون من فتحة الباب على الشارع الذي يمر من امام منزلهم. وأنهم لم يستطيعوا الصمود في حارة خلت من الناس، وقد أطبق عليها صمتٌ لا يطاق، وسكون مريب، والظلام المسدول إنتشر داكناً في انحاء الأرض فإستتر كل شيئ خلفه، وليس هناك ما يقع في الابصار عدا الظلام الدامس، مما ضاعف من خوفهم، فدفعهم للخروج على تقاطع الشارعين في حيهم، فإنطلقوا منه نحو الكامب (الثكنة العسكرية) التي كانت ما تزال تحت قبضة الثوار،كانت تشير الساعة الى لتاسعة مساءا تقريبا، ولكن في ظل الوضع المضطرب والفوضى كان أشبه بمنتصف الليل.

والمقاتلون كلهم قد تربصوا في سواترهم وتخندقوا في دفاعاتهم في كل انحاء المدينة وضواحيها. وعند إقتراب الصبية من بوابة الثكنة العسكرية استوقفهم الثوار، وطلبوا منهم سر الليل. ولكن الصبية لم تكن لديهم ادنى فكرة عن ماهية سر الليل. كان احد الجنود سبق ان التقى وتعرف بهم، فتكلم مع رفاقه لذلك اكتفوا بتفتيشهم، ثم قال أحدهم : انتم تتجولون في اوقات غير مناسبة، وما هذه الدراجات التي معكم والدنيا ظلام، وأنتم تشعلون انوارها كرة وتطفئونها كرة اخرى، هذا خطر عليكم، يكتشف العدو مواقعكم، نحن الآن في ظروف إستثنائية وطارئة.

قال صالح: هذه الدراجات الأربعة، إستأجرناها بالأمس، ونظرا للظروف التي كنا فيها، عدنا بها الى صاحبها مساءا متأخرين،فوجدنا المحل مغلقا، واليوم ترددنا في المحل عدة مرات لنعيد الدراجات لصاحبها ولكن للاسف في كل مرة كان المحل مغلقا هذه هي قصة الدراجات.

قال احد المقاتلين الذين كانا قد إقتربا من الصبية: والآن قولوا لي يا أبنائي الشبيبة، انتم ماذا تريدون؟ ولماذا تخلفتم عن اهليكم؟

قال صالح: نحن نريد ان نتدرب باسرع ما يمكن ثم نحمل السلاح، ونشارك في المعركة ألتي سيخوضها الثوار. رد عليه المقاتلان كان احدهما يتحدث بتجرنيا مع قليل من العربي، بينما الثاني يتحدث بالعربي مع مداخلات جيدة بالتجرنيا قال: يا أبنائي لا محالة الحرب واقعة، والآن لا وقت لتدريبكم، العدو قادم، ربما قد عبر سيتيت وانتم شبيبة صغار السن وعزل بلا سلاح وانتم غير مدربين فأخرجوا من المدينة والحقوا بأهلكم.

سأل صالح بأسلوب الواثق من نفسه : وانتم لماذا لا تنأوا من الحرب بانفسكم؟ ألسنا نحن أرتريين مثلكم، نريد أن ندافع عن المدينة؟.

رد عليه المقاتل: لايمكن أن تكونوا مثلنا، نحن قد دخلنا وعدا كي نستشهد تحت هذا العلم دون أن نضطر لإنزاله... حينها فقط إنتبه الصبية بانهم واقفون تحت العلم، حينا رفعوا وجوههم نحو السماء رأوا في عتمة الليل عَلماً يرفرف بقوة. وحين عادوا بوجوههم نحو الافق الذي كان لا يقل عتامة عن الفضاء. وأخيراً سقطت انظارهم على الأرض لتجد بسيس من برهان يصل الى أبصارهم، لاحظوا أنه، كان تحت سارية العلم خندقين.

سأل صبري: هنا ستتخندقان اثناء الحرب... قال الجندي: نعم، هذه حفرتان نتخندق فيها أنا ورفيقي اثناء الحرب، وإذا إستشهدنا فهُما قبرينا. حزن الصبية حتى إمتلأت أعينهم بالدموع، لقد تخلوا شيئاً فشيئاً عن الصرامة والشدة التي تظاهروا بها في أوقات مضت، واستعادوا طبعهم وعواطفهم الطبيعية.

قال احد المقاتلَين: يا أبنائ الشبيبة... انسوا قصة رفع السلاح والقتال، هذا قد فات اوانه، فان التدريب والتعاليم العسكرية ليست اشياء يتم تنفيذها في يوم وليلة، بل تحتاج الى الكيفية والوقت المناسبين... وبينما هم علي هذا النحو سمعوا دوي إنفجار، أتى صوته من تجاه سيتيت.

قال المقاتل الأول: ها... أسمعتم؟ قبل أن تُضيّعوا وقتا إبتعدوا من المدينة والحقوا باهليكم،لا تسلكوا الطريق المتجه بمحازات حلة برنو للوصول الى حمدايت، خوفا من ان تكون قوات اثيوبيا ربما اغلقت الطريق مبكرا وتتربص فيه.

قال ثانيهما: انتبهوا... اذهبوا وانتم حذرين... وانصتوا حركة الطريق امامكم... اسرعوا دون أن تضيعوا وقتاً... اذهبوا من هنا شمالا عبر مركز المدينة على الطريق المؤدي نحو تسني هو الآمن.

ودّع الصبية المقاتلين وظلمة الليل تحيط بهم من كل ناحية، إنطلق الأربعة بسرعة فائقة، تركوا الدراجات لصاحبها امام محله المغلق، ظلوا يركضون عبر مركز المدينة ثم شقوا حلة حبش، اثناء السير كانوا يلقون النظر يميناً ويساراً.

كانت معظم البيوت مغلقة وخالية من الناس، القليل منها فقط بها إضاءات باهتة.

سبحان من غير ألأحوال من حال إلى حال، أن في مثل هذه الاوقات من زمن الأمان والطمأنينة، كانت كل البيوت مأهولة بأهلها، إضاءات الرتائن الوضاءة، وضوضاء حركة الناس ونشاطهم، تملأ الفضاء، وتصعد وهج أضوائها في سماء المدينة وكانت الأحياء الشعبية عامرة بأهلها وأنسها، وحركة النساء تزداد في مثل هذه الأوقات، تدفأ البيوت بنشاطهن، ورقة أنسهن، يُعِدُّ بعضهن الطعام لغدهن، ومن هن من يتركن اللمسات الاخيرة لتنظيم بيوتهن... ومنهن من يستكين في احضان ازواجهن، واُخريات قابعات فوق حُفر الدخان حافيات القعار، ناعمات البشرة، دافئات الأحضان. ومن الرجال من كان وجوده لأولاده وزوجته اماناً، ومن الناس من أحسن الي الناس إحساناً وجنى لقاء تواضعه ضياءاً وسروراً.

وآخرين ممن أساؤوا في معاملاتهم الي الناس فجنوا كرهاً وبغضاً، كان هذا في زمن الإستقرار، أما في ليالي من مثل هذه الايام فلا شيئ من هذا وذاك باقي، كل ما هنالك الكثير من التشرد والرعب، تحولت به المدينة الى خلاء موحش.

إستمر الصبيه في سيرهم العشوائي، لقد تركوا المدينة خلفهم، ومن محاذات المطار الجديد الذ بقي في يمينهم، أستمروا في سيرهم على الطريق المؤدي نحو تسني الي ان وصلوا "خور بادميت" الذي يمر من بين الجبلين. فإنفصلوا عن الطريق الرئيسي نحو اليسار، سالكين علي طول سفوح السلسلة الجبلية الغربية من ناحية الخلف.

Top
X

Right Click

No Right Click