مجموعة قصصية من شتاء اسمرا (القصة الرابعة) شتاء اسمرا

المصدر: عزة برس  تأليف الكاتب والروائي: هاشم محمود

الثقة بالنفس هي روح البطولة

أرسطو

ما زال يتذكر منذ اكثر من ربع قرن اول موقع وطأته قدماه في اسمرا،

رواية شتاء أسمرا 2

كان بالقرب من مستشفى دار الشفاء، في شارع طويل يبدأ بتقاطع شارات مرور و ينتهي في (ستي بارك)، المنتزه الذي اطلق عليه سكان العاصمة (الامم المتحدة) نسبة لتعدد اللغات التي يمكن أن تسمعها عند جلوسك في أحد أركانه، فهنا من يتحدث الايطالية و هنالك من يتحدث العربية و الالمانية و الفرنسية وغيرها.

والغريب ان كل هذه الالسن هى ارترية، وهى نتاج ماحصده الشعب الارترى من شتاته الاجبارى فى كل بقاع الارض. فقد عاد كل من وجهته يحمل لغة وثقافة البلد الذى عاد منه.

كان منتزه (ستى بارك) ملتقي الشباب القادمين من دول المهجر المختلفة،

يجتمعون فيه كل صباح، يحكون لبعضهم البعض ما اكتشفوه من جديد عن هذه المدينة، كانوا اشبه بالسياح فى كثير من هيئتهم وتصرفاتهم.

توقفت المركبة لبعض الوقت، لكنه كان كافيا ليكتشف الركاب بردوة الجو وصار بعضهم يرتعد من شدة البرد، رغم ان الاجواء فى اسمرا تعد عادية بالنسبة للمقيمين بها قياسا بايام الشتاء القارس، حيث يصادف الخريف هذه الايام، واسمرا التى تمطر بطريقة مختلفة على الاقل بالنسبة لزوارها، فهى عادة ما تمطر نهارا ما بين منتصف النهار والساعة الثانية بعد اظهر، وهى عادة لم يتعود عليها سكان المنخفضات والسودان، اذ تكون الامطار فى الغالب فى الليل، وهو ما لاتعرفه سماء اسمرا.

كانت المدينة هادئة ومنظمة وجميلة لا تظهر عليها حالة خروجها من الحرب رغم آثار و الدمار الذي كان مشاهد في أي مكان.

عند إعلان وصول آخر محطة للمركبة عند فندق عريق وفخم و قديم لعله فندق امباسادور، كانت الشمس قد ودعت المدينة الساحرة و تركته في شارع الحرية الشهير سابقا ب (كامبشتاتو)، تحرك (يمانى) بخطوات ثقيلة و بطيئة نحو الشارع وحده بعد أن اختفى منه رفيق دربه في الرحلة التي استمرت يومين من المحطة الأولى فى كسلا السودانية إلى اسمرا مرورا باللفه و تلاتاشر و تسني، شاهد خلالها مخلفات حرب، لم يكن أن يتخيل مئات المركبات العسكرية و الدبابات و أسلحة أخرى لا يعرف حتى أسمائها، كان رفيقه الملم بشأن الثورة يشرح له أسماء الأسلحة المدمرة و خطة تحرير اسمرا التي كانت حتمية بعد تحرير مدينة مصوع، وكيف استطاع الجيش الشعبي ان يجلى الجيش الاثيوني بكل ترسانته الحربية من مدينة اسمرا دون ان يمسها اى ضر، وقد استطاع ان يجر كل هذه الجيوش الجرارة الى سهول القاش بركة، ليضع خطة محكمة لتصفيته والانتقام منه جزاءا على ما ارتكبه من جرائم فى حق هذا الشعب الاعزل.

توقفت المركبة على الطريق بين تسني و هيكوتا للاستراحة ونزل معظم المسافرين.

كانت جثث الجيش العرمرم تملأ جانبي الطريق. الجيش الذي لايهزم و لا يقهر والذي اعتبر يوما من أقوى جيوش السمراء، ولم يصدق العالم ان العقيد/ منجستو هيلى ماريام، فر هاربا الى زمبابوى تاركا خلفه اديس ابابا فى مهب الريح والكثير من الرقاب التى كان ينوى اجتثاثها.

وقف يتأمل المشهد و تتضارب داخله الأفكار و المشاعر،

هل يفرح ام يحزن ام يبكي ام يضحك..؟

يفرح بالتحرير و يحزن على ضحايا الحرب من الجانبين،

(فكلهم خسارة للإنسانية)

ام يبكي على ذلك الجندي الذي وجد رفيق رحلته ورقة تطل من احدى جيوب بزلته العسكرية، دفعه الفضول لسحب الورقة ومعرفة ما بها، فاذا هو يفاجأ بان الورقة كانت رسالة داخل مظروف مفتوح يبدو ان صاحبها قرأها ثم اعادها للمظروف مرة ثانية، بذات الفضول فتح الرسالة فاذا هى رسالة من امه، بدأ يقرأ تفاصيل الرسالة وهو يرتعد:

(ابني العزيز:

منذ وقت طويل لم تصلني عنك اى اخبار، ارجو ان تكون على خير وباتم الصحة والعافية، كما ارجو ان احيطك علما بانني اعاني من فترة من مرض خطير، يبدو انه لا يمهلني كثيرا، لذلك اتمني ان تطلب اجازة وتأتى لرؤيتي وتجعلني افرح بزواجك، فقد ناقشت اهل خطيبتك فى الموضوع، فهم ايضا يتعجلون امر الزواج.

دعني افرح بزواجك واحقق امنية تمنيتها كثيرا.

سلامي لك ولكل اصدقاءك.)

طوى الرسالة بسرعة ثم عاد الى صديقه وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة.

هى الحرب لعنة الله عليها.

لا يدرى ماذا يفعل..!!

لا يدري هل يضحك على طريقة (من يضحك أخيرا يضحك كثير)

فهؤلاء الموتى هم من قتلوا و شردوا و زبحوا الأبرياء منذ عقود مضت،

لا يمكن ان تنسى ارتريا مذابح (شعب) و(عونا) و(عد ابرهيم) وغيرها من المجازر والمشانق التى راح ضحيتها الآف الابرياء.

الجثث الممدة على قارعة الطريق هى التى ارتكبت ابشع الجرائم فى حق الانسان الارترى، وها هى الايام تدور عجلتها لتنهى القضية الارترية التى تعتبر واحدة من القضايا الانسانية المسكوت عنها لكثير من الدول والهيئات الاممية.

ورفرف العلم الارترى عاليا معطرا بدماء الشهداء، ونحن نشهد على ميلاد هذا الوطن الجميل ونفرح لاننا على قيد الحياة وجزء من هذا الاحتفاء الكبير.

(شيقارا... ماستيكا) صوت طفل لا يتجاوز العاشرة مر بجانبه صارخا و هو يحمل صندوق، استفاق عائدا من جولة أفكاره على هذا الطفل البريء والذى يروج للسجائر والعلك بائعا متجولا.

الآن هو في قلب العاصمة لا يعرف أحد و لا يعرف شوارعها و لا لغة أهلها كانت امامه كاتدرائية تشبه في طرازها المعمارى البناء الأوربي، كان يتأمل هذا الصرح إلا أنه احس بجوع و يرغب فى أن يتناول شيء من طعام و بعدها يفكر في أين ينام فالساعة ما تزال السابعة و النصف.

سأل البائع المتجول الصغير:

أين أجد مطعم..؟

لم يفهم من سؤاله شيء.

كرر سؤاله أكثر من مرة.

لكن هيهات لا يعرف اللغة التي يتحدث بها الضيف، أيقن استحالة التفاهم بينه و بين البائع المتجول فحاول بلغة الإشارة.

فهم البائع انه جائعا ويريد شيئا يأكله.

أخرج قطعة خبز من الصندوق ومدها له.

تقبلها منه و شكره وواصل رحلة البحث عن مطعم.

مر بجوار مبنى كبير أمامه محطة نقل داخلية، اقترب من المحطة و سأل إحدى الفتيات الواقفات في انتظار البص بلغة انجليزية ركيكة عن أقرب مطعم، دلته على مطعم (بريمو فيرا) وعنوان المطعم مأخوذ من اللغة الايطالية والتى تعني الربيع، أحس ان لغتة الانجليزية ليست ضعيفة تماما كما كان يعتقد وقال محدثا نفسه:

(ممكن الواحد يعمل فيها خواجه).

دخل (بريمو فيرا) كان المطعم هادئا ومؤثثا بطريقر راقية، يبدو انيقا رقم بساطته وقد اكتست طاولاته ومقاعده لونا اخضرا تكثر فيه ازهار الياسمين، ربما تم هذا الاختيار للالوان تماشيا مع اسم المطعم.

جلس فى واحدة من الطاولات التى تحصل عليها بعد صوبة، فقد كان المطعم مزدحما بالرواد وبالكاد تجد مكانا تجلس عليه. ما شد انتباهه ان المكان يسوده الهدوء رغم الزحمة الواضحة وهذا ما لايعرفه عن اهل اسمرا فهم اناس يمتازون بالهدوء ويحترمون خصوصية الاخرين، فنادر ما تسمع من اثنين يجلسون قبالة الطاولة التى تجلس عليها صوتا عاليا، فحديثهم يشبه الهمس.

قرأ قائمة الطعام الموضوعة على الطاولة باناقة و اختار منها واحدا ثم اتجه نحو المغسلة، مر وقت غير قليل وهو قد تسمر يغسل يديه شاردا امام اول وجه اسمرواى يصطدم به فقد انساه هذا الوجه ما كان يفعله وقد خرج من لا وعيه على صوت موسيقي يقول بكل أدب:

(يا أخي هل انتهيت..؟)

ابتعد عن المغسلة دون ان يجيب بشيء بل كان محاصرا بصوتها اللذيذ وغارقا فى سمرتها وجمالها وهدوئها وطريقتها المؤدبة فى الكلام.

جلس على الطاولة ولا يزال صدى كلماتها يجول بداخله و هو ينظر إليها ممعنا و متأملا في ذلك الوجه الجميل، وهى تتنقل بين الطاولات تسلم على هذا و ذاك و هي تبتسم ابتسامة جاذبة، كانت ابتسامتها تفر منها أسهم تصيب بقوة عقله و قلبه فيبتسم دامياً.

جمع كل قواه ورباطة جأشه وهويقول:

لو سمحت، ما اسمك..؟

ردت بكل عفويه و دون تردد:

(سنايت)

قالتها وقد أخترقت عذوبة صوتها

يجيب عليها مبتسما:

تشرفنا.. انا (يمانى)

دخل يمانى (بريمو فيرا) كاملا، وخرج منه تاركا قلبه، فلا تزال سنايت تحاصره، فما اصعب ان تصيبك ساهم الحب فى مدينة تطأها قدماك للتو وانت لا تعرف الى اين ستأخذك اقدارك فيها.

اول ما صادفه احمد فى هذه المدينة هو الحب، نعم الحب الذى وجده فى وهو يفتش عن اى مكان يسد فيه جوعه، لكنه لم يكتفى بما اكل، بل ذهب ابعد من ذلك دون ان يدرى، وللربيع فى مطعم الربيع حكاية ثانية.

صار يقارن ملاكه بمن عرفهن من البنات، لا بل اقربهن إلى قلبه (يوديت) التي أحبها منذ نعومة أظافره، فقد جاء الى هذه الدنيا ليجد (يوديت) تنمو وتكبر معه، فهى جارته وصديقة طفولته وصباه وزميلته فى الدراسة وكل شيء بالنسبة له.

(يوديت) بنت العم تسفاي سائق الشاحنة المعروف فى كل ارجاء الحى بدماثة خلقه وزوجته الطيبة التي كان منزلهما مكان يجتمع فيه كل نساء الحي لمناقشة العديد من القضايا المتعلقة بمستقبل ابنائهم.

(يوديت) حاضرة الان فى باله وهو يجرى مقارنة بينها وبيت (سنايت).

إلا أن قلبه لم يقبل المقارنة و قال في نفسه:

شتان بين هذا وذاك،

هذه من الملائكة و تلك من البشر.

و بينما هو في هذه الحالة وجد نفسه أمام فندق، اقترب من بابه و سأل الحارس بالإنجليزية:

هل هذا فندق..؟

اجاب الحارس بكلمات لم يفهمها و لم يحاول أن يفهمها لأن ملامح الحارس اوحت اليه بأنه يتكلم بغضب، و لم يجهد نفسه فى اكتشاف سبب غضبه، بل تركه واقفا يتكلم وتوغل داخل الفندق، كان المدخل عبارة عن بهو طويل تفوح منه رائحة الرطوبة وعلى جانبه الأيمن ثلاث نوافذ مفتوحه شاهد من خلالها شابين و فتاة تتوسطهم طاولة عليها كؤوس و زجاجة، لم يهتم كثرا للمشهد، لكنه تكرر عند النافذه الثانية إلا أن عدد الأشخاص كان أكبر، قال في نفسه:

(هذا بار).

استقبله موظف الاستقبال وهو يسأله:

(أى خدمة، ماذا تريد..؟)

(غرفة لو سمحت)

للاسف، توجد غرفة بسريرين وهى غرفة مشتركة بها نزيل يمكنك مشاركته الغرفة ان لم يكن هذا مزعجا بالنسبة لك..؟

قال وهو يستجدى الموظف:

ليتك توفر لى غرفة خالية من اى شخص، ويمكنني دفع قيمتها كاملة.

ليتني استطيع، هى الوحيدة المتوفرة الان، غدا استطيع ان اوفر لك غرفة اذا غادر بعض النزلاء.

ارجو ان لاتنزعج فمعظم النزلاء عندنا اشخاص مهذبون، حتى الشخص الموجود بالغرفة هو ضيف مثلك، يمكنك ان تنسجم معه.

تردد قليلا ثم أخرج تصريح السفرو ناوله موظف الاستقبال

كتب الموظف بياناته الشخصية

الاسم: يماني قرماي تولدي

العنوان: كسلا.. السودان

المهنة: طالب

بعد أن اكمل موظف الاستقبال ملأ البيانات اللازمة اصطحبه الى الغرفة رقم 7.

لم يكن شريكه بالغرفة موجودا، ارتمي على سريره فقد كان مجهدا ويحتاج الى قسط كبير من الراحة، نظر الى ساعته فى هى تشير إلى التاسعة و النصف مساءا.

عرف أن زميله موجود، فقد تسرب اليه صوت شخص يغني فى الحمام الداخلي للغرفة، حتى الاغنية كانت تؤكد ما قاله موظف الاستقبال عن انه ضيف، فقد كان يغني للفنان السوداني/ الطيب عبدالله أغنية (السنين)

دون ان يحس كان يردد معه فى صوت خافت..

(القريب عن وطنو مهما طال غيابه

مصيره يرجع تانى لاهلو وصحابو)

حاول ان يمعن الصمت لان الصوت لا يبدو غريبا لاذنيه،

قال مخمنا:

إنه (ودي بلاتا)

نعم يوناس بلاتا زميل رحلته من كسلا.

لكن ما الذى جاء به الى هنا..

الم يقل لي أنه من أبناء اسمرا و تركني وحدي و ذهب الى بيتهم في حى (قجرت) لا اظن انه ودي بلاتا.

ماهى لحظات ويخرج ( ودى بلاتا) من الحمام بلحمه وشحمه،

استغرب (ودى بلاتا) وجود ( يمانى) فى نفس الغرفة

قال صارخا:

(معقول)…؟

تصافحا بحرارة كأنهما لم يلتقيا منذ زمن بعيد.

يمانى يسأل مستغربا:

الم تقل لي انك من أبناء اسمرا لماذ أنت هنا..؟

كان (ودي بلاتا) يبدو وكأنه متهم يبعد عن نفسه شبهة:

نعم، انا من ابناء اسمرا، ولكن للضرورة احكام.

يبدو ان جدتي غادرت اسمرا للقرية، وقد وجدت بالمنزل عائلة لا اعرفها، اظنهم مستأجرين، لذلك قررت الاقامة بفندق حتى اتحرى من الموضوع.

سوف استرد منزلنا، فانا هنا لهذا الغرض

الحمد لله البلد تحررت، وخرج منه العدو.

احكي لي:

كيف وصلت إلى هذا الفندق..؟

سرد له قصته منذ أن تركته و كيف وصل إلى الفندق و كيف أنه وقع في الحب من أول نظرة.

(ودى بلاتا) ضاحكا:

أين هذا المطعم..؟

لا أدري بالضبط

لكنه قريبا جدا من هنا

لا تقلق الصباح نتناول افطارنا بمطعمك هذا يا يماني

اما الان تصبح على خير

لظات والغرفة يعلو فوقها شخير (ودي بلاتا)

أما يماني يصارع النوم فقد غلبه طيف (سنايت) وشخير (ودى بلاتا)

فى الصباح استيقظ (ودي بلاتا) باكرا و بينما تأخر يماني حتى ايغظه (ودي بلاتا) في الساعة التاسعة،

استيقظ مفزوعاً... بريما فيرا...

(ودي بلاتا) يقهقه ضاحكا:

(الفطور بعد الحمام)

خرجا سويا وصلا إلى المطعم إلا أن ملاكه لم يكن موجوداً.

قال لزميله:

أسأل عنها انت تعرف لغة أهل اسمرا..؟

نادى (ودى بلاتا) النادلة و سألها:

أين (سنايت) لو سمحت..؟

عفوا، هى تعمل فى الفترة المسائية

يمكنك المجيئ بعد الخامسة مساءا.

كان يود أن لا يخرج من المطعم و ينتظر عودتها لكن ودي بلاتا اخذه للتعرف على المدينة، فقد زارا اماكن عديدة كان يسمع بها فقط، فقد كان يجد لذة غير عادية فى اى مكان زاره، وكان يكثر من الاسئلة مستفسرا دائما. وكان (ودى بلاتا) يجيب بكل اريحية:

(هذه وزارة التعليم وقد كان المبنى فى السابق للبرلمان فى عهد الاستعمار الاثيوبي، ولكن يرجع تأسيسه الاول الى عهد الاستعمار الايطالى فقد كان مقر الحزب (الفاشى) وهذا الشرفة كان يطل منها (ستليني) وهو يخاطب الجماهير من هذا المكان، لاحظ فى بعض الافلام الوثائقية القديمة، يبدو المكان وضحا.)

(يمانى) يطأطأ رأسه وهو مستمتع بما يقوله (ودى بلاتا)

عادا في المساء كانت اللهفة و الفرحة بادية على وجهه، دخل الى المطعم و عيونه تجوب أرجاءه، بائت كل محاولاته فى العسور عليها،

يبدو انها لم تداوم.

خرج على أمل أن يعاود المحاولة غدا في المساء،

عله ينتصر فى المرة القادمة.

سنايت ليست في (بريما فيرا)

يبدو انها تركت المطعم او فى اجازة لا يدرى

(من يدلني عليها يا رب)

قالها وهو فى حالة يرثى عليها

يبدو (يمانى) كأنه فى اسمرا من اجل سنايت.

لا يمر يوما الا وجاء الى المطعم، لكنه لايسأل احدا، بل يكتفى بتشييع ارجاء المكان، وعندما يتحقق من عدم وجودها، ينسحب بنفس الهدوء الذى دخل به.

مرت شهور ويماني فى ذات الوضع، يبحث عن سنايت ولا اثر يدله عليها.

الشتاء يزحف نحو المدينة بزمهريره وضبابه الكثيف، الشوارع مغطاة بالغيوم، والناس فى اسمرا تغير طريقة لبسها واكلها. والناس فى شارع الحرية متأنقين فى ملابسهم الصوفية واحزيتهم الضخمة وجمالهم الاخآذ لا يفارقهم.

يمانى يتجول فى شارع الحرية كل مساء، ذات يوم وهو كعادته فى الشارع اذا تمر امامه فتاة فارعة فى ملابسها الشتوية ولا يظهر منها شيء سوى وجهها.

شيء ما اصاب يمانى ما ان مرت هذه الفتاة، هرول خلفها وهو ينادى:

سنايت.. سنايت؟

تلفتت الفتاة مستغربة نحو يمانى:

نعم

لم يتمالك يمانى نفسه:

اين كنت مختفية طيلت هذه الفترة..؟

بنفس الاستغراب تجيب:

عفوا

من انت..؟

يمانى.

يمانى…؟؟!!

نعم. انت كنت تعملين بمطعم بريما فيرا..؟

اجل. لكنني تركته منذ شهور..؟

انا هذه الشهور الضائعة

لم اترك مكانا فى هذه المدينة حتى اجدك

سنايت ضاحكة:

يمانى.. هل هناك شيء،

لماذا كنت تبحث عني.. انا لا اعرفك..؟

يبدو انك مستعجلة الان،

ارجو ان تحددى لى موعدا، انا احتاج التحدث اليك..؟

لا مانع لدى،

نلتقى غدا عند ستى بارك..؟

لم يصدق يمانى مارآه. او حتى ما سمعه،

سنايت.. لا اصدق انني التقيتها.

ذهب من مكانه الى حى (قجرت) وحكى ل (ودى بلاتا) ما صادفه هذا المساء.

ودى بلاتا مشغولا بصيانة منزلهم، لم يمض شهرا واحدا على استلامه ويلزمه الكثير من الوقت والجهد ليقوم بترميمه كما يخطط.

يمانى يلح على ودى بلاتا ان يصغى اليه، فهو لم يفرح منذ شهور كهذا المساء.

فى صباح اليوم الثانى استيغظ يمانى مبكرا على غير عادته، توجه صوب سوق الملابس، فهو يلزمه طقم انيق لزوم المساء العاطفى.

فى واحدة من بيوت الازياء الانيقة اختار يمانى طقم صوف جميل وقبعة تتماشى مع الطقم وحزاء كتلك الاحزية الشتوية التى يحبها اهل اسمرا.

لا يعرف يماني كيف مضى النهار،

فهو مرتبكا طوال الوقت،

ولو كان يملك اى قوة فى هذه الطبيعة لاستعجل بالمساء،

فى السابعة مساءا كان يمانى يجلس فى واحدة من طاولات ستى بارك فى حلته الجديدة،

كان يشبه دراميا فى كل شيء، فهو لم يعتاد على هذا الصنف من الملابس والاحزية، حتى القبعة كانت تشكل له شيئا ثقيلا،

لكنه الحب، ماذا يفعل..!!

كانت عيناه مصوبتان نحو البوابة الرئيسية للستى بارك،

لحظات وتطل سنايت بقامتها الفارعة،

جلست قبالته، بعد ان تبادلا التحايا،

يبدأ يمانى الحديث:

انا ضيف على هذه المدينة، هاجرت اسرتي ونحن لا نزال صغارا الى السودان، وهناك ترعرعنا وعشنا زمن طويل، وصارت لنا الكثير من العلاقات والمعارف.

بعد ان تحرر البلد قررنا العودة الى الوطن، وهذه اول زيارة لى لاسمرا، فأنا لا اعرف اسمرا قبل هذا الزيارة، حتى اسرتى عندما هاجرت لم تهاجر من اسمرا، فنحن نسكن (سرجقا).

سنايت تستمع باذعان لما يقوله يمانى، ثم تقول

(انا من اسمرا هنا ولدت وترعرت ودرست، تربيت مع جدتي فى حى (ماى تمناى)، بعد ان قادر ابى وامى اسمرا ليلتحقا بالثورة، استشهد ابى فى معركة تحرير مدينة (أفعبت) سنة 1989، وعادت والدتي سالمة بعد التحرير من غير ابي، حزنا كثيرا على فراق والدى، وتمنينا كثيرا لو كان بيننا هنا فى اسمرا، ولكنه حال الكثير من البيوت الارترية، فلولا استشهادهم لما تذوقنا طعم الحرية.

انا ادرس الطب بجامعة اسمرا، والمطعم الذى رأيتني به هو ملك لجدتي، عندما اجد وقتا كافيا اشارك فى مساعدتهم، لذلك لا اتردد كثرا هناك، الا فى ايام الاجازة.)

والله يا سنايت ما ان دخلت المطعم وقعت عيناى فى غرامك دون ان ادرى، فانا لم ادخل المطعم بحثا عن فتاة، بل دخلت لاتناول وجبة سريعة لاغادر بنفس السرعة، ولكن شاءت الاقدار ان اترك قلبي فى هذا المطعم، ومنذ ذلك الوقت وانا افتش عنك فى اى مكان،

كنت اتوهم بعض الامكنة واذهب اليها علني اجدك فيها،

وشاءت الاقدار ان نلتقى على غير موعد، فى شارع الحرية،

سنايت مستغربة:

اولا شكرا على مشاعرك الجميلة تجاهى،

ثانيا: يا سيدى انا انسانة مرتبطة،

تربطني علاقة حب بشخص اكن له كل التقدير والاحترام، وهو يدرس معي الطب، ونحن على وشك التخرج.

نزلت كلمات سنايت على يمانى كالصاعقة، لم يصدق ما يسمع، فليس هناك ما يقال،

سنايت واضحة وصريحة

هى تحب شخصا اخرا

ودعت سنايت يمانى، وشكرته على دعوته الكريمة، ثم انصرفت مغادرة.

ظل يمانى جالسا فى مكانه، لا يدرى ماذا يفعل.

خرج من المكان متثاقلا، اخرج القبعة من على رأسه ثم رمى بها دون ان يدرى،

ادخل يديه فى جيبي بنطاله وهو قد دخل شارع الحرية، شعر بلفح البرد فى رأسه.

ضحك ساخرا وهو يقول:

(شكرا لشتاء اسمرا، فقد وضعت حدا لقصتي)

www.Samadit.com حامد إدريس عواتي   www.Samadit.com عبدالقادر محمد صالح كبيرى   www.Samadit.com محمد عمر أكيتو   www.Samadit.com إبراهيم سلطان علي   www.Samadit.com إدريس محمد آدم مندر   www.Samadit.com محمد سعيد ناود   www.Samadit.com أحمد محمد ناصر أبوبكر   www.Samadit.com عثمان صالح سبي   www.Samadit.com عبدالله إدريس محمد سليمان  

Top
X

Right Click

No right click