في الذكرى الثالثة والعشرون لاستشهاد الزعيم الوطني عثمان صالح سبي

بقلم الأستاذ: محي الدين علي

أبو الإصرار هو اللقبالمحبب الذي كان يطلقه الشهيد عثمان سبي على صديقه ورفيقه محمد سعيد ناود،

ولايعلمبهذا اللقب سوى المقربين من تلك الدائرة الضيقة التي كانت تجمع أقرب الناس إليهم، وفي مكتبة المناضل محمد سعيد ناود، هناك أعدادا من الكتب وعليها الأهداءات بقلمالشهيد سبي "لأبو الإصرار" صديقه الوفي.

عود تاريخ العلاقة والصداقة التيجمعت بين الرجلين إلى نهايات العام 1969، وكلاهما كانا في مواقع قيادية منذ وقتمبكر تعود لسنوات طويلة إلى الوراء وان اختلفت المواقع، فالشهيد سبي من المؤسسين الأوائل لجبهة التحرير الإرترية في مطلع الستينات، والمناضل محمد سعيد ناود هو مؤسس وقائد حركة تحرير إرتريا في العام 1958م، وبرغم احتدام الصراع بين التنظيمين والخلافات العميقة بينهم التي وصلت إلى حد التصفية العسكرية لمجموعة الحركة المسلحة في منطقة "عيلا طعدا" من قبل جبهة تحرير إرتريا بحجة أن الساحة الإرترية تضيق بتنظيمين، برغم ذلك لم تتح الفرصة للقاء الرجلين إلا عندما بدأت الخلافات تدب في أوساط جبهة تحرير إرتريا وذلك في نهاية الستينات، وفي هذا الإطار يقول المناضل محمد سعيد ناود:

وقد كان سبي أحد أعضاء المجلس الأعلى لجبهة التحرير الإرترية ثم سكرتيراً لعلاقاتها الخارجية، وكان رحمه الله ومع غيره من قيادة "جبهة تحريرإرتريا" متطرفاً في خلافه وخصومته لحركة تحرير إرتريا.

وأثناء ذلك الخلاف والذي دام لعشرة أعوام لم نلتق ولو لمرة واحدة، ولم نتعرف على بعضنا البعض إلا فيعهد "قوات التحرير الشعبية ويضيف المناضل ناود: فالانقسام الذي جرىفي صفوف جبهة تحرير ارتريا لم يكن وليد لحظة بل انه كان تراكما لعدد من السنين، كنتيجة صراعات ومنافسات بدأت في قمة التنظيم وانتشرت إلى الكوادر الوسطية ووصلت أخيراً إلى القواعد.

وان ذلك الانقسام شمل الداخل والخارج على حد سواء. وقد كانتمحور ذلك الانشقاق وفي مراحله الأخيرة هي "القيادة العامة" والتي تمكنت منالسيطرة على الميدان العسكري وكانت تقف الى جانبها معظم القيادات والكوادر والقواعدالعسكرية.

وعن خلفية الشهيد سبي، حول مولده ونشأته ودراسته يقول المناضل ناود:

ولد عثمان صالح سبي في قرية "حرقيقو" وذلك في عام 1931م. وألتحق بمدرسة حرقيقو التي افتتحت سنة 1944م وذلك على حساب المحسن الكبير صالح باشا أحمد كيكيا والذي كان من الأثرياء المرموقين في ذلك الزمان، وكان مهتماً بالتعليم حيث أفتتحفصولاً للبنين والبنات في تلك المدرسة.

كما أفتتح بها قسماً صناعياً. وفي هذهالمدرسة فأن عثمان صالح سبي درس المرحلتين الأولية والمتوسطة. وعلى نفقة الباشا صالح كيكيا درس المرحلة الثانوية في أديس أبابا ثم التحق بكلية المعلمين هناك أيضاوأتم بها الدراسة.

وعند عودته من أديس أبابا تم تعيينه أستاذا بالمدرسة التيدرس بها في حرقيقو. وفي مطلع الخمسينات من القرن الماضي تم تعيينه مديراً لنفس المدرسة.
أثناء دراسته في أديس أبابا تعرف سبي على الكثيرين من أبناء القوميات المقهورة والمهمشة في أثيوبيا مثل الأورومو، الهرريين، الصوماليين وغيرهم.

وبالتعاون بينه وبينهم فقد قاموا بتأسيس "جمعية العروة الوثقى" للدفاع عنحقوقهم. وفي هذا المناخ بدأ ينضج وعيه السياسي. وهو ومعه هؤلاء كتبوا عهداً وميثاقاً بدمائهم، وهو عبارة عن مبادئهم للدفاع عن حقوقهم. كما أن المرحوم شقيقه محمود سبي كان من ضمنهم وقد حكى لي ذلك بنفسه وليس على لسان شقيقه عثمان.

كان عثمان سبي مهتماً بالتعليم منذ أن كان أستاذا ومديراً بمدرسة كيكيا باشا في حرقيقو. وعندما رأى بأن فرص التعليم في ارتريا شبه معدومة نتيجة السياسة الأثيوبية فأنه شرع في تهريب بعض طلابه من قرية حرقيقو الى مصر. وكان يبعث بهؤلاء الطلاب إلى السودان سراً، حيث يقوم الأخوان المسلمون هناك باستقبالهم وتسهيل مواصلة سفرهم إلى مصر من أجل التعليم. وكان الأستاذ صادق عبد الله عبد الماجد زعيم الأخوان المسلمين بالسودان أطال الله في عمره على علاقة بعثمان صالح سبي منذ أيام "العروة الوثقى" وكان يقوم باستقبال هؤلاء الطلاب وإيوائهم ومن ثم مساعدتهم لمواصلة سفرهم إلى مصر.

ومن طلابه الذين كان قد بعث بهم إلى مصر آنذاك فبعضهم قد رحل عن الدنيا والبعضلازال على قيد الحياة، وآخرون منهم يعملون حالياً في مفاصل دولة إرتريا المستقلة.

ويضيف المناضل ناود: وقد تعرفت عليه عن قرب، فعرفت فيه مثقفاً ويجيداللغتين العربية والإنجليزية بطلاقة وكان متمكناً منهما قراءة وكتابة وحديثاً، وبجانب ذلك فقد كان يتحدث التجري والتجرينية والأمهرية.

كما كان قارئاً نشطاً في أمهات الكتب، ومتابعاً للصحف والمجلات العربية والإنجليزية مثل مجلة "نيوز وييك" الأمريكية والتي كان يواظب على قراءاتها، كما كان يواظب على الاستماع إلى عدد منالمحطات الإذاعية وفي مقدمتها إذاعة لندن ال BBC بشكل يومي ويعشق صوت المذيعة مديحة رشيد المدفعي.

وبالتالي كان ملماً بالأحداث العالمية، وكل ذلك جعل منه متحدثاً لبقاً، وفي أي مجلس يحضره كان يجذب اهتمام وأسماع وإعجاب من يجلس إليهم. أيضاً كان يتذوق الأغاني عموماً وأغاني فيروز على وجه الخصوص ويحمل شرائطها معه دوماً. بل وكان يعشق السينما والمسرح.

من المعروف عن الشهيد سبي انه كان يجيدالقفشات وحب النكات والضحك بصوت عال وكل من يجالسه لايتوقع أن الرجل يمكن أن يحمل على عاتقه قضية شعب ومعاناة أمة وهو في هذه الحال من الانشراح، وهنا ربما أختلف كثيرا عن رفيقه ناود الذي يمتاز بالجدية والعبوس، وعدم المرح، والشهيد سبي كان يجد في كآبة صديقة ناود مادة للتندر والتفكه قائلاً:

أن الحياة وما بها من مصاعب لا تتطلب هذا العبوس والجدية التي تلازمك دوما حيث لا أراك ضاحكا، فساعة لربك وساعة لقلبك، فاضحك للدنيا تضحك لك. موتوا بغيظكم أيها العابثون فجميعكم ستموتون قبلي وأقوم بدفنكم وأنت احدهم ثم ارفع لكم التحية وانصرف عن المقابر واذهب لحالي إلا أن ما سيتعبني هو كتابة رثاءك شخصيا لتقديري لك وللمزايا الكثيرة التي تتمتع بها) إلا انه رحل عن الدنيا مبكرا وهو في الخمسينات من عمره، وهذه حكمة الله في خلقه وجعلنا لكل اجل كتاب.

يقول المناضل ناود، أثناء زيارتيلألمانيا الشرقية في عام 1977م من أجل البحث مع الألمان في مسألة الحل السلمي للقضية الإرترية التي كانت مطروحة في ذلك الوقت، ولهذه الغاية ذهبت قيادات الفصائل الإرترية، ومن ضمنها تنظيمنا الذي كنت أمثله، ومن المعلوم أن الدعوة وجهت لي شخصيا ولم توجه للشهيد سبي باعتباره رئيس التنظيم وأثناء الحوار سألتهم عن سبب عدم دعوة رئيس التنظيم الشهيد عثمان سبي، وكان ردهم:

بان سبي عميل لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية c.i.a فدافعت عنه ونفيت هذه التهمة قائلا:

إذا كانرئيس التنظيم عميلا وأنا نائبه فبالضرورة أن أكون أنا أيضا عميلا مثله وأضفت أن سبي رجل وطني ولا يهمه إلا نجاح قضيته، وفي سبيلها يتعامل حتى مع الشيطان.

ويضيف ناود ولكن مسالة تهمة الـ C.I.A كان يرددها آخرون في ساحتنا ضد سبيوأحيانا أمامه، وكان سبي يتلذذ بتلك التهمة قائلا لمن يتهمه بها:

ياجهلاء هل تعتقدون أن العمالة للـ C.I.A مسالة سهلة ؟ أنها تحتاج لمؤهلات عالية، وأناأسعى للحصول عليها لتسخيرها لقضيتي دون أن أفوز بها حتى الآن.

ثم يضحك رحم الله شهيدنا بقدر ماقدم لشعبه وقضيته، والصحة وطول العمر لرفيقه أبوالإصرار.

Top
X

Right Click

No Right Click