تقَمُّصُ أفورقي الشخصية البجاوية.. الدلالة والرسالة

بقلم البروفيسور الدكتور: جلال الدين محمد صالح - لندن المملكة المتحدة

تَصَدَّرَ الرئيس الارتري، غير المنتخب، إسياس أفورقي، منصة حفل تخريج مدربي (ساوى)

أسياس أفورقي

وهو مُتَقَمِّصٌ الشخصية البجاوية.

وذلك من بعد أن دخل ساحة ساوى، في حالة من التبختر والزهو، بأبهة السلطة وعظمتها، وسط تصفيق حار، كما عرضها علينا التلفزيون الارتري، مستصحبا شخصيتين بجاويتين، من أهلنا الهدندوى، أحدها يمثل الجانب الديني، وهو الشيخ سليمان بن الشيخ علي بيتاي رحمه الله، والآخر معارض سياسي، وهو السيد عمر محمد طاهر، قائد عسكري لمجموعة مسلحة من الهدندوى، ما زالت في (آملت) بمنطقة ساوى، تحت رعاية حكومة أفورقي.

وما أحسب أن هذا مجرد تصرف مزاجي، غايته الأناقة، وكرم الضيافة، لا مرامي له، ولا مقاصد، ولا رسائل، إذا ما نظرنا إليه موصولا بما يلي:

الحالة الانسدادية التي وصلتها إرتريا، وتنذر بتفجر كارثي خطير، على حين بغتة، في أي لحظة مفاجئة، نتيجةً لسياسة القهر والصهر التي يدير بها أفورقي البلاد.

وطبيعي أن يخشى من جراء ذلك عدوى ثورات الشعوب في المنطقة، حتى لا تفعل به فعلتها، كما فعلت في السودان، فتكون القطرة التي أفاضت الكأس، والقشة التي قصمت ظهر البعير.

الظرف المكاني الذي تقام فيه هذه الاحتفالية، حيث معسكر ساوى على أرض البجة، على مشارف الحدود السودانية.

الظرف السياسي، في السودان نفسه، حيث التطورات السياسية، تتلاحق تباعا، ولَمَّا تستقر بعد، على مرساها، ومستقرها الأخير، بالرغم من توقيع اتفاقات تقاسم السلطة، بين الجيش، ومن ينازعه، في أديس أبابا.

وإذا ما أردنا أن نفهم مرامي هذا (التَّقَمُّصِ) يحسن بنا أولا إدراك مدلول مصطلح (التَّقَمُّصُ).

ففي أصل اشتقاقه اللغوي، جاء هذا المصطلح، من (القميص).

هذا الزي الذي يلبسه الإنسان، تزينا، وتسترا.

وفي بعض الأديان الوضعية، أو المنحرفة، يعني مصطلح ( التَّقَمُّصُ) الانتقال.

فيقال تَقَمَّصَتِ الروحُ، بمعنى انتقلت من جسد إلى آخر، بعد الموت.

وحين نأتي إلى ميدان التمثيل، نجد التَّقَمُّصَ يعني: قدرة المُمَثِّلِ على الإيحاء، بأنه هو نفس الشخص الذي يؤدي دوره في العمل الفني.

وإذا ما أخذنا في الحسبان، أن السياسة، تنطوي على شيء، من فن التمثيل، إن لم تَكُنْهُ؛ للوصول إلى أهداف مرسومة، فإنا لن نجد صعوبة، في فهم هذا التقمص، من الرئيس الارتري، غير المنتخب، للشخصية البجاوية.

كذلك حين نأخذ معنى (الانتقال) جريا على المفهوم الديني (لتقمص الروح).

ذلك أن الرئيس بظهوره هذا، كأنه يتقمص روح البجاوي، فينتقل بها، من حالة، إلى أخرى.

من الحالة الحقيقية لها، إلى الحالة المُتَقَمَّصَةِ، وهي الحالة المُصْطَنَعَةِ التي نراها في الصورة، وطبعا (ليس المخبر كالمظهر).

وهنا من الطبيعي أن يرد على الذهن، أكثر من سؤال، بشأن هذا التقمص.

هل يريد الرئيس أن يقول لنا: إن شخصية الانسان البجاوي، قد تماهت في شخصية الانسان الأكسومي، وأنه قد احتواها، إلى حد لا حرج فيه، من أن تظهر الشخصية البجاوية، في ذات الشخصية الأكسومية، ثقافة، وحضارة.

وأن هذه هي الوحدة الوطنية، في صورتها الحقيقية، تتجلى على هذا النحو؟.

أم هو تعبير منه عن حالة الصهر القومي، التي تحدث عنها كادر النظام المنشق، المناضل أحمد القيسي، إذ وصف معسكر (ساوى) بأداة الصهر، في مخطط (الأجندة الملكة) على حد وصفه، لتصورات أفورقي.

ربما هذا، وربما غيره، ولكل تفسيره، وتحليله.

كان بإمكان الرئيس، أن يرتدي في هذه المناسبة العظيمة في نفسه، الزي الأكسومي المعروف (إيجو طباب) بحكم ثقافته الأكسومية التجرنيوية.

كما فعل سفيره في موسكو - على سبيل المثال - حين قدم أوراق اعتماده إلى القيادة الروسية، وهو بهذا الزي.

وكما ظهرت قنصلته المبوعثة، إلى بلد عربي مجاور، مرتدية الزي الأكسومي (زوريا) مرصعا بالصلبان .

وكما فعل هو شخصيا، في إديس أبابا، حين تزيا بالجبة السلطانية الأكسومية، المزخرفة بالصلبان.

ولكن ربما أراد أن يمحو آثار صنيعه هذا، بارتداء هذا الزي البجاوي، وفوق رأسه عمامة المسلمين بشكل عام.

وربما آثر أن لا يستفز الآخرين، وأن لا يعطي تفسيرا صارخا، لطبيعة السلطة القائمة، في البلاد على يديه، وهويتها الظاهرة.

أو ربما أن تَقَمُّصَهُ هذا للشخصية البجاوية، هو تمهيد للظهور بالشخصية الحقيقية، في مناسبة ما، مرتديا (إيجو طباب) أو جبة الرؤوس الأكسوميين التي ارتداها في أديس أبابا.

وعندها لا يعاب عليه؛ لأنه ظهر من قبل بزي بجاوي.

وربما هو إيحاء منه، بأنه الرئيس الوطني الذي تتجسد فيه كل ثقافات المكون الارتري.

فتارة يظهر بهذا الزي، وتارة بزي مغاير، من أزياء الوطن.

تتوحد فيه كل الهويات الوطنية، توافقا مع نزعة ما أسماه (ابن رشد) (وحدانية التسلط).

وهي حالة مرضية تصيب دماغ من ابتلي بها.

وكنا نشاهدها في شخص الزعم الليبي، معمر القدافي، حيث اعتاد أن يظهر بأكثر من ملبس، وربما في آن واحد، وكأنه عارض أزياء.

فهل ما نراه اليوم في رئيسنا هو عرض من أعراض مرض (وحدانية التسلط) على حد مصطلح (ابن رشد) فقيه الفلاسفة، وفيلسوف الفقهاء، كما ينعت.

أم هو رسالة إلى السودان خصيصا، تنذره، بشر قد اقترب، وتقول له: نحن الشرق، والشرق نحن، في الملبس، والطمع، والمطعم؟ .

مهما كان الأمر، ومهما تباينت التفاسير، لهذا المظهر، فإن له مراميه السياسية، يعيها من يعيها، وتفوت على من تفوت عليه، غفلة، أو سذاجة.

فهو في النهاية أداء تمثيلي، في مسرح سياسي، لا يعبر أبدا عن براءة المظهر كما نشاهده.

ولا يُلَبِّسُ على حالة الإقصاء التي يعيشها البجة عن السلطة، كما يعيشها غيرهم، من المواطنين.

ويدرك البجة قاطبة، كما يدرك غيرهم، أن السلطة ليست زيا لقوم ما، يرتديه الرئيس في المناسبات؛ ليرضيهم، ويطيِّب خاطرهم.

أو رقصة فلكلورية، على أوتارها تُعْزَفُ الأنغام البجاوية، وغير البجاوية.

وإنما هي حق دستوري، عبره يجسد المواطن البجاوي، وغير البجاوي، إرادته الحرة، في اختيار خيار الحكم المناسب لذاتيته، وفي التمتع بعائد ثروته الوطنية، وانتخاب من يحكمه بمحض إرادته.

وبهذا لن تمر هذه التمثيلية، من على هذا المسرح، على مجتمع البجة، في باديته وحاضرته، مرور الكرام، فضلا عن مثقفيه وقياداته الإهليه، والفكرية، والسياسية، في إرتريا، والسودان.

كما أن تلك الشخصيتين البجاويتين، أكبر من أن توظفا لأعمال تخريبية، عدائية، تستغل جماعات من البجة، ضد جماعة أخرى.

كذلك الإدارة الأهلية البجاوية - نظارة الهدندوى في السودان، ونظارة البني عامر - تفهم - بما وهبها الله من نظرة ثاقبة - مرامي سياسات كهذه، وما تقصده، من تأزيم الوضع البجاوي، وتدمير بنيته الاجتماعية.

ذلك أن البجة بلغوا - كما يفترض - حدا من الوعي بأهمية تماسكهم، وتناصرهم، تصعب معه مرور السياسات التفتيتية التي تنتهجها أي حكومة في التعامل معهم، والتعاطي مع همومهم السلطانية، في السودان وإرتريا.

وآمل أن يكون سودان ما بعد التغيير، قد التقط المشهد، واستوعب هذه الرسالة التي يحملها، والتي بعث بها أفورقي إليه، من على حدوده الشرقية، من منصة معسكر ساوى التدريبي.

إنها رسالة واضحة مفادها، إن لم تنساق قيادة سودان ما بعد التغيير، لما نشترطه نحن في بناء العلاقات الثنائية، فإن لدينا من القدرات العسكرية، ما نزعزع به أمن السودان.

وأن حميدتي الذي قام بتجنيد أبناء البجة، في الشرق، وضمنهم أبناء البني عامر، ضمن قواته، أن لم يكف، وتحل قواته هذا، أو تدمج، في الجيش السوداني، فإن بإمكاننا تجنيد الهدندوى، وسائر قوى المعارضة المسلحة، كما فعلنا من قبل، وأربكنا السودان.

وهذا الاحتمال يعضده ظهور الشيخ سليمان علي بيتاي، مع السيد عمر طاهر.

ذلك أن السيد عمر طاهر هو قائد الجناح العسكري الذي ما زال معسكرا مع رجاله، في (آملايت) بمنطقة ساوى، ولم يوقع اتفاقية السلام التي وقعت عام ٢٠٠٥م، مع جبهة الشرق.

فما الذي سيفعله سودان ما بعد التغيير، مع هذا الابتزاز، إذا كان فعلا التقط مشهد ساوى، بدقة، واستوعب الرسالة التي حملها، وبعث بها إليه أفورقي.

ذلك ما ستخبرنا به الأيام، فالنتابع.

التعليقات  

محمد جمعة عشكراي
# محمد جمعة عشكراي 2019-08-14 14:47

تحياتنا للدكتور جلال الدين محمد صالح
قد تكون الرسالة غير ذالك لان وجود قوات الدعم السريع في شرق السودان
من شروط ومتطلبات اسياس حسب الاخبار المتواترة الامارتين قد يطبقو ا نفس السيناريو الذي تم تطبيقه في عدن في شرق السودان
اي اقتطاع شرق السودان من السوان وشكرا
رد
Top
X

Right Click

No right click