كلمة المركز في مؤتمر حول أمن البحر الأحمر في الرياض: نحو مفهوم شامل للأمن والاستقرار

إعداد: مركز التقدم العربي للسياسات - لندن

شارك مركز تقدم للسياسات في مؤتمر دعا له مركز الملك فيصل للدراسات الاستراتيجية في الرياض، فيما يلي ملخص

مركز الملك فيصل للدراسات الاستراتيجية في الرياض

الورقة البحثية التي قدمها الباحث علي الهنديمستقبل الصراع في البحر الاحمر في ظل غياب القوي والمنظمات الدولية.

افتتح حديثي بالعودة قليلا الى بدايات السياسة الانسحابية الامريكية الجديدة من ملفات العالم ونهاية ما يسمى الحروب الوقائية والتي ظهرت معالمها بوضوح في فترة ولاية باراك اوباما. تلك السياسة التي اعتمدت وامتدت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فارهاصات الحرب في افغنستان والعراق اسهمت في خلق خلق راي عام في الولايات المتحدة الامريكية ينادي بالانسحاب من مناطق الصراعات الدولية والتركيز داخليا، وينبغي هنا زملائي الافاضل ملاحظة ان هذه السياسة ترافقت مع الأزمة المالية الكبرى وانهيار البورصات العالمية في العام 2008، والتي تركت اثارا كارثية على الاقتصاد الأمريكي وتضاؤل لمكانة الطبقة الوسطى وافقار الطبقات العاملة. ذلك الانهيار الذي كان أحد الأسباب الرئيسية لصعود اليمين الشعبوي وعلى راسه دونالد ترامب.

هذا التحول التاريخي بكل معنى الكلمة وضع ختم التصديق لهذه الخطوة الانسحابية وعززها في وثيقة الامن القومي الأمريكي الصادرة في السابع عشر من ديسمبر الفين وسبعة عشر. والنتيجة المباشرة لهذه السياسة، انسحاب امريكي من مناطق وازمات مختلفة من العالم، وبداية ما يمكن وصفه بالاحلاف الإقليمية التي تنسق مع الولايات المتحدة، لادارة الامن والاستقرار في تلك المناطق، وصولا الى ما بات يعرف اليوم في اطار إدارة الصراعات الدولية بحروب الوكالة. ومن ضمن المناطق التي نلحظ تدخلا أمريكيا هامشيا، منطقة حوض البحر الأحمر. وتعلل الكتابات الرصينة في واشنطن ذلك بالكلفة الباهظة للتواجد في مناطق ترى ان اهميتها الاستراتيجية تراجعت، ولا يمكن تحميل دافعي الضرائب الأمريكيين كلفة هذا التدخلات. بمعنى اخر نحن امام سياسات يمينة قومية حمائية لم يقتصر صعودها على الولايات المتحدة وانما باتت ظاهرة سياسية عالمية. فمن صعود ترامب الي خروج بريطاني من الاتحاد الاوروبي وصولا الى البرازيل الى هنغاريا وبولندا، وتراجع مكانة الأحزاب اليمينية التقليدية والاشتراكية الديمقراطية لصالح حركات شعبوية يمينية في مختلف الدول الأوروبية. كلها مؤشرات تدلل على اننا امام تبدل جوهري في النظام الدولي الذي بني بعد الحرب العالمية الثانية وكل المؤسسات الدولية التابعة لهذا النظام.

لقد كانت الامم المتحدة ولفترة من الزمن طرفا أساسيا في حل النزعات الدولية وعملت تدخلاتها على تهدئة الاوضاع حينا وتوفير الحلول احيانا اخري، وكانت هذه المنظمة الدولية، الجسر الذي عول عليه ضاحايا النزاعات للعبور الي بر السلم والأمان. ومع تزايد الصراعات في العالم واتساع رقعتها لم تعد الامم المتحدة، في هذه المرحلة، قادرة على النهوض بدورها فهي تعاني من ضعف في الموازانات المالية افقدها خاصية التواجد الفعال في اماكن النزاعات كما في السابق، هذا الي جانب افتقادها الى النفوذ السياسي المستند الى التوافق في مجلس الامن، ولكم ان تلاحظوا معي زملائي الافاضل ان العديد من الحروب والتدخلات العسكرية في السنوات السبع الأخير في منطقتنا تحديدا جرت من خارج أروقة مجلس الامن، كما ان العديد من الصراعات والحروب الاهلية تستمد مصادر استمرارها وتحولها الى نزاعات مفتوحة لا تنتهي من تلك الخلافات بين الدول العظمى والتنافس على مناطق النفوذ، وتحول معها دور الأمم المنتحدة الى مراقب يصف الاحداث ويتسلى مندبو الدول في الجمعية العامة في تدبيج الخطب التي لا يسمعها غير أصحابها.

وعلى الجانب الاخر، فان الظروف التي ادت الي ولادة منظمة الوحدة الافريقية في ستينيات القرن الماضي هي ذاتها التي عرقلت اداء المنظمة، فافتقاد المنظمة لاليات حسم الصراعات جعلها رهينة لامزجة سياسات كانت في الغالب صنيعة للتدخلات الخارجية، كما ان اداراتها تعاني من الترهل والبيروقراطية وغياب المصادر المالية لتمويل قوات تدخل افريقية، وبات دورها يقتصر على اجتماع الرؤساء الدوري او ما يوكل لها من الدول الكبرى من مهام. للقد تقاعست المنظمة عن القيام بدورها في العديد من النزاعات الخطرة، والنتيجة تعقد تلك الصراعات وجرها الي البعد الهوياتي والاثني والعقدي كما هو في حال منظمة بوكوحرام في نيجيريا وحركة الشباب في الصومال وجيش الرب في اوغندا. ولهذا لم يكن لهذه المنظمة الدور في تحقيق اتفاقية السلام في القرن الافريقي او التنبه الى مخاطر تحول منطقة البحر الأحمر الى حاملة اساطيل عسكرية دولية وإقليمية.

في السياق أيضا نشير الى دور الجامعة العربية في معرض حديثنا عن دورالقوي الإقليمية والدولية في مناطق الصراعات، فالجامعة تعيش حالة من الوهن والضعف والانقسام، منذ ما يزيد على العقدين، وتفاقم الضعف مع تحول قطر الى سياسة صفرية مع الكل العربي، والى الاستفراد السياسي خارج مظلة الاجماع العربي. ولهذا غاب الدور العربي الجماعي عن خاصرات الامن القومي العربي في القرن الافريقي والبحر الأحمر على وجه الخصوص.

اننا في مركز التقدم للسياسات نضع مبادرتكم في مركز الملك فيصل للدراسات الاسستراتيجية في المكان الصحيح والظرف الحساس الذي يتطلب الانتباه الشديد لهذه المنطقة في ابعادها الشاملة والمتكاملة بتاطير منظومة سياسية وامنية واقتصادية تحمل رؤية جديدة لنقل المنطقة الي اعتاب مرحلة جديدة تكون معاها قادرة على مجابهة التحديات والمخاطر التي تستهدف أمن المنطقة وثرواتها، ونري ان نجاح المبادرة يتطلب تقوية اواصر الترابط مع الدول المشاطئة للبحر الأحمر.

كانت حركة الملاحة في البحر الاحمر والدواعي الامنية هما السبب وراء سعي دول خارجية الدخول في اتفاقيات عسكرية مع دولة جيبوتي مما قد يحول المنطقة الى ساحة تنافس ومواجهة إقليمية ودولية، والالتفات الى الوضع في جيبوتي ليس تفصيلا بسيطا وانما يقع في جوهر ومركز جهودكم المباركة لتحصين الوضع في هذه المنطقة الاستراتيجية وتأمينها.

نأتي الى المحور المفصلي في عملنا والذي يبدأ بتوصيف وضع التدخلات الخارجية في منطقة البحر الاحمر، وهو الزحف التركي والايراني لخلق مناطق نفوذ لهما ام عن طريق حروب الوكالة كما هو الحال بالنسبة لايران في اليمن والسودان حتى وقت قريب، والتدخل المباشر في الحالة التركية، اذا كانت الدواعي الجيوستراتيجية قد جعلت من الممكن التعاطي مع زحف ايران نحو ان تكون جزء من امن منطقة البحر الابيض المتوسط فانه لايمكن توصيف التدخل الايراني في منطقة البحر الاحمر الا انه مطامع توسعية سوف لن تؤل بالنفع على اي من دول المنطقة، اما الوجود التركي والذي اظهر نواياه في بناء قواعد في منطقة سواكن السودانية اسوة بما انشئ في الصومال فانه تحرك نحو تهميش دور دول المنطقة عبر السيطرة العسكرية والتي تمهد لسيطرة اقتصادية كاملة على مقدراتها.

انهكت الصراعات دول المنطقة المطلة على البحر الأحمر وحول بعضها الى دول فاشلة مما عطل اليات فض النزاعات الحدودية والصراعات على الموارد، وافسحت الطريق للتدخلات الخارجية عبر اغتنام الفرص لفرض اتفاقيات كبلت اقتصادات دول المنطقه وجير موقعها الجغرافي وسياساتها لصالح الخارج.

ولهذا ننظر بأهمية كبرى لاعمال مؤتمركم هذا من اجل وضع التصورات العملية والاطر السياسية التي تساهم في حل النزعات الحدودية بين دول المنطقة وخاصة تلك التي تقع على ساحل البحر الاحمر كالنزاع بين ارتريا وجيبوتي وانزاع بين مصر والسودان على مثلث حلايب، كما ينبغي ايجاد حلول مستدامة لمشكلة المياه وعلى راسها مشكلة مياة النيل وسد النهضة والذي يجعل من اثيوبيا لاعب اساسيا في استقرار المنطقة كما اسلفت، وكذلك احتياجات الصومال من المياه والتي تعتبر اثيوبيا احد اهم مصادرها.

ان ايلاء مشكلة الموارد اهمية كبيرة كفيل بتحقيق قدر اكبر من التعاون بين دول المجلس وتلك التي تحاذيها، فالمنطقة لديها من الموارد البحرية والزراعية ما يجعلها فريسة لمطامع خارجية كانت السبب وراء دفع دول المنطقة في صراعات لم تجلب الا الخراب وهذا يفتح الباب امامنا للتنوية بخطورة اهمال مساحات شاسعة من سواحل البحر الاحمر وجزره دون رعاية واستثمار.

ان ربط دول البحر الاحمر عبر كيان واليات تنسيق يحفظ لها مصالحها ويؤهلها لمجابهة التحديات التي تحدق بها خطوة رائدة تجعل المسؤلية مشتركة بين الجميع، ومواجهة التحديات يتطلب العمل ربط دول المجلس عبر شراكات استراتيجية في مجالات مختلفة، كالتعاون في تنشيط الفرص الاقتصادية بين دول المجلس من خلال الموارد الطبيعية و البشرية والذي بدوره يستدعي التعاون في المجالات الثقافية.

فالشعوب التي تعيش في شواطئ البحر الأحمر ترتبط باواصر تقافية وتراثية وحتى قبلية قوية مما حدا بالمؤرخين الي استحداث بحث في علم التاريخ اطلقو علية تاريخ البحار وفق ما اشار اليه الكاتب الامريكي جوناثان ميرن في كتابه مواطني البحر الاحمر، لذا لابد من الاهتمام بالمجموعات البشرية كالعفر و الرشايدة وغيرهم حتي يسخر تواجدهم في خدمة الامن القومي لدول الحوض والعالم العربي ولكي لايتم استقطابهم من قبل قوي تتحرك في المنطقة وفي اجندة تم التخطيط لها منذ مدة.

Top
X

Right Click

No right click