من ذاكرة الثورة الارترية كابوس اسمه الجاسوس الإسرائيلي حسن

بقلم الأستاذ: محمود أحمد لوبينت

مرت الثورة الأرترية خلال مسيرتها الطويلة بالكثير من المحطات، وتعرضت - كغيرها من الثورات - للكثير من المحن،

وخاضت تجارب مريرة وأصبحت هدفا لقوى وأطراف خارجية عملت على إختراقها بغية احتوائها واستخدامها بعد ذلك في تحقيق مآرب هذه القوى اقليمية كانت ام دولية.

وقصة الإختراق الأمريكي، ولقاءات "اساياس" وصحبه مع مسئولين أمريكيين في "قانيو ستيشن" معروفة للجميع، وموثقة بصوت أحد أطرافها تسفانكيئيل جورجيو / (ودي جورجيو) لكن الاشرطة التي سجل فيها ودي جورجيو اعترافاته اختفت فجأة من مكاتب جبهة التحرير الارترية - ربما بفعل أكثر من فاعل - والسؤال الذي لا أملك الاجابة عليه هو: "ايهم فهمو كثر" على حد قول ابو فراس الحمداني. وكلي أمل في أن ينبري أحد العارفين ببواطن الأمور ليلقي بعض الضوء على "ما حل بالأشرطة التي ضمت اعترافات تسفانكئيل جورجو".

انضم "ودي جيورجو" إلى "جبهة التحرير"، في بداية السبعينيات، وظل بها حتى 1978م، وعبر إلى السودان، وفجأة ظهر في "أديس أبابا". وفي عام 1990، سقطت "أديس أبابا" بيد "الجبهة الديمقراطية الثورية لشعوب إثيوبيا"، واغتيل الرجل ببندقية مزودة بكاتم الصوت، و كان ضحية من ضحايا إحدى عصابات "الجبهة الشعبية". "اما الشخص الآخر الذي كان له علم بهذا السر الكبير فهو: هبتي سيلاسي جبرميدهن، كان طالبا في مدرسة "بيدي مريم" في أديس أبابا، قبل أن يلتحق بالكلية، وهو من القلائل الذين التحقوا بـ "إسياس"، وكان قريبا منه ولصيقا به. وقد قبض عليه من قبل "الكوماندوس"، في "عالا" عام 1970م، وأنزلوه السجن، ثم أطلق سراحه، وانضم إلى "سلفي نيثصانت"، وكان عضوا بارزا وعنصرا رئيسيا في تحرير نشرة "فيتوراري"، أي الطليعة، ولأسباب مريبة، اعتقله "إسياس" ضمن مجموعة "منكع"، ولقي مصير هؤلاء التعساء في 1976م (انظر "النهضة" 25-02-2004 وكر العمالة / ترجمة محمد عثمان حمد لمقال نشره "ذكرى ليبونا" في عواتى).

وكان لاسرائيل أيضا دورها، اذ لم تكتف بالدعم العسكري لأثيوبيا فحسب، بل ذهبت الى أبعد من ذلك، فأرسلت أحد أهم عناصرها المدربين تدريبا عاليا الى الميدان، والهدف: جمع معلومات عن الثورة الارترية وتحديدا عن" المنطقة العسكرية الرابعة" التي كانت تعمل في منطقة البحر الأحمر ودنكاليا..

وأنا هنا أعتمد على أوراق قديمة سجلت فيها بعض المعلومات على عجل، وعلى الذاكرة التي اصابها الضعف، وكم كنت اتمنى لو بقى "محدثي" - يرحمه الله - حيا يرزق، للتأكد من بعض التواريخ والاسماء و التفاصيل التي انزلقت من الذاكرة أو اختلطت على.

لكن ما علينا... فالكثيرون ممن ناضلوا في المنطقة العسكرية الرابعة آنذاك وكذلك بعض قادتها احياء يرزقون... وهم الأقدر على القاء مزيد من الضوء على (كابوس اسمه الجاسوس الاسرائيلي حسن) هذا اذا ارادوا ذلك.

حســــن:

ظهر حسن - الذي كان في الثلاثينات من عمره - فجأة في المنطقة الرابعة (في أو حوالى بداية عام 1968) وطلب اللقاء مع قيادتها بحجة انه مبعوث من الحكومة المصرية، جاء للإطلاع على أحوال الثورة الأرترية ومعرفة إحتياجات الثوار من الاسلحة والذخائر.. كان حسن أسمر اللون مفتول العضلات، وكانت سحنته وتقاطيع وجهه ولهجته تدل على انه مصري مائة في المائة، لكن الشك خامر القيادة لأسباب عدة أهمها:

ان الحكومة المصرية تعلم الكثير عن الثورة الارترية.. وانها على اتصال بقيادة جبهة التحرير الأرترية... وهى أدرى من غيرها باحتياجات الثورةالارترية والثوارالارتريين. وانها لو ارادت ان ترسل مبعوثا لنسقت مع مسئولي الجبهة الموجودين في القاهرة، وبالتالي مع قيادة المنطقة المزمع زيارتها.

وحتى تقطع الشك باليقين، بعثت القيادة برسالة عاجلة الى مسئول مكتب جبهة التحرير الارترية بالمملكة العربية السعودية، تطلب منه سرعة الاتصال بالحكومة المصرية (عبر سفارتها في جدة) للتأكد من ادعاءات "حسن" والرد عليها فورا.

في هذه الأثناء، باشرت القيادة تحقيقاتها مع "حسن" الذي تمسك باقواله، ولم يؤثر التعذيب الجسماني والنفسي في صموده.. لكن اصراره على اقواله وترديدها حرفيا وفي فترات تحقيق متباعدة زمنيا عمق الشكوك، وكثرت علامات الاستفهام المحيطة بهويته والمهمة المكلف بها والجهة التي أرسلته.

في البداية اعتقدت القيادة انه مصري، جندته الاستخبارات الأثيوبية للتجسس على الثـورة الارترية، لكنها سرعان ما تخلت عن هذا الإعتقاد (لأسباب لم يذكرها محدثي) وتعاملت مع "حسن" على انه جاسوس اسرائيلي.. لذلك أحكمت الرقابة عليه وأخضعته "لبرنامج" تعذيب واستجواب مكثف، ولكن دون جدوى.

قال محدثي: "ازداد حسن تمسكا باقواله، واظهر قوة تحمل مذهلة، والأبتسامة لا تفارق شفتيه. وأحسست انه يسخر منا جميعا ويخرج لنا لسانه استهزاءا.. وتملكنا الإحباط.. وكنا في غضون ذلك نمني النفس بان تصلنا رسالة من مسئول مكتب الجبهة في السعودية أو غيره تؤكد لنا صحة المعلومات التي ادلى بها "حسن" حتى نغلق ملفه نهائيا ونفرج عنه، ونريح ونستريح.. لكن الرسالة لم تصل على الاطلاق".

علمت قيادات المناطق الأخرى المناوئة - ان لم نقل المعادية - لقيادة المنطقة العسكرية الرابعة باعتقال "حسن" واعتبرته صيدا ثمينا يجب أن تستفيد منه الثورة الارترية، وحذرت قيادة المنطقة الرابعة من اتخاذ أى قرار منفرد يتعلق بمصيره.

وفشل المحققون في انتزاع اعتراف منه يؤكد انه جاسوس اسرائيلي، وشعروا بان "حسن" هو الممسك بزمام التحقيق وهو الذي يتولى تعذيبهم.. وبدأ اليأس يتسلل اليهم والملل يدب في نفوسهم.. و لم يلاحظ حسن الضعف الذي بات يسيطر على موقفهم.. لكنه لاحظ ان الجنود الذين كانوا يتناوبون على حراسته على مدار الساعة، بدأوا يتراخون وان رقابتهم عليه لم تعد لصيقة كما كانت من قبل، او كما يجب ان تكون... فقرر أن يستفيد من هذا التغيير الايجابي. وأخذ يتحين الفرصة المناسبة، وعندما سنحت له، انتهزها.. وهرب حسن.

هروب حسن:

وهنا جن جنون قيادة المنطقة الرابعة، وأحست بان هروب "حسن" سيقلل من هيبتها في عيون المقاتلين المنضويين تحت لوائها، وسيضر بموقفها في مواجهة قيادات المناطق الأخرى التي ستستخدم "هروبه" كسلاح في الحرب النفسية التي تشنها على المنطقة الرابعة، وانها ستشكك في قصة هروبه وتزعم انه تم الافراج عنه مقابل فدية.

قال محدثي: "يومها أحسسنا بالخوف على المنطقة الرابعة باسرها و على ما تمثله من (مبادئ وامان وتوجهات) وشعرنا بان "حسن" لم يهرب بجلده فقط بل هـرّب معه كل ما كنا نملك، وتركنا نواجه العواصف بعد أن جردنا من اسلحتنا ونزع عنا لباسنا.. فبانت سوءتنا.. ومن هنا طغى الإرتباك على تصرفاتنا.. قادة ومقاتلين... وتوقف عقرب بوصلتنا في اتجاه واحد..!! "حسن وحسن لا غير".

وبدأت في التو أكبر عملية بحث (عن شخص واحد) في تاريخ الثورة الارترية... وانتشر المقاتلون في كل الإتجاهات ليبحثوا عن الهارب ويحذروا سكان القرى والرعاة الرحل من خطورته ويطلبوا منهم التعاون في القبض عليه. واستمرت عملية البحث والتمشيط ثلاث أيام بلياليها، لم تذق القيادة خلالها طعم النوم، ولا أثر لحسن في تلك المنطقة الجبلية البعيدة عن مناطق تمركز العدو ونقاط مراقبته.

ولم تستسلم القيادة لليأس، فقررت أن تشمل عملية البحث منطقة السهل القريبة من جبال "ديعوت" مهما كانت التضحيات.

قال محدثي: "لو علم العدو آنذاك بموقفنا واضطراب قيادتنا وانتشار قواتنا في كل الاتجاهات، وما يمثله ذلك من ضعف وتفكك، لشن علينا هجوما كاسحا وقضى علينا قضاء مبرما... وما اقوله عن العدو الأثيوبي يصدق أيضا على قيادة المناطق العسكرية الأخرى التي كانت تناصبنا العداء... ولكن الله سلم".

راع من ديعوت أنقذ الثورة:

تغلب "حسن" على المحققين وتحمل التعذيب بكل صنوفه، لكنه لم يستطع التغلب على الجوع والعطش، فخلع ملابسه باستثناء "الداخلية منها" واتجه الى أول كوخ وجده امامه وكان بالكوخ راعي أغنام كبير في السن وزوجته... قال محدثي:

"ادعى حسن انه بحار مصري تحطمت سفينته قبالة الساحل، وانه عبر البحر سباحة وسار على قدميه لمدة يومين دون أن يجد من يدله الى اقرب مركز حكومي. وطلب مــاءا وطعاما. فقدم له مضيفه ماءا وطلب من زوجته ان تعد للضيف طعاما، فاحضرت قدرا ووضعته على "الأثافئ" وطبخت لحسن "عصيدة " قدمتها له ولسان حالها يقول: "هنيئا مريئا غير داء مخامر" وانهمك "حسن" في تناول طعامه بنهم بعد أن اطمأن الى الرجل وزوجته الطيبيين وتخلى عن حذره الى حين.

وهنا انتهز الرجل الفرصة وتناول عصاه الغليظة وضربه على قفاه، فانكفأ على وجهه وفقد وعيه..فتعاون الزوجان في تقييده وشد وثاقه.. وبعد أن تأكد من السيطرة عليه وشل حركته تماما، غادر الرجل كوخه وابلغ المقاتلين الذين كانوا بالجوار بالخبر... وكان ذلك اسعد خبر، أحيى أمالنا وامانينا".

وهكذا انقذ راعي أغنام من ديعوت، المنطقة العسكرية الرابعة، ان لم نقل الثورة الارترية.

الإنهيار ثم الإعتراف:

وبدأت جولة جديدة من التحقيق مع حسن، لكنه لم ينهار ولم يغير شيئا من اقواله السابقة. فاعتبرت القيادة ان هروبه يمثل في حد ذاته دليلا على انه جاسوس، وان مقاومته وتحمله التعذيب الجسماني والنفسي، دليل آخر على انه "مدرب ومعد جسمانيا ونفسيا وعقليـــا" لمواجهة ظروف كهذه، لذلك فان انتزاع أى اعتراف منه لم يعد هدفا في حد ذاته، وان كان مهما كدليل يؤكد صدق الاعتقاد الذي ركنت اليه القيادة منذ البداية.

وكاد التحقيق معه أن يتوقف عند هذا الحد، لولا "ان تفتق ذهن أحدهم عن فكرة لم يسبق أن شاهدناها حتى في الأفلام" حسب قول محدثي.

تم ربط رجلى حسن ويديه باربعة حبال، ثم شدت اطراف الحبال وربطت بشجرتين، وعلق حسن بينهما... ليظل مشدودا تتجاذبه الشجرتان بالتعاون مع جاذبية الأرض.. بينما جلس المحققون أمامه يتجاذبون اطراف الحديث ويضحكون.. وتحمل حسن في البداية الآلام المبرحة بجلد وتحد كبيرين.. لكن قواه الجسدية خارت فجأة ولم يستطع أن يبقي رأسه مرفوعا أو مستندا على كتفه أو ملقيا على صدره... كان مثل الديك المذبوح يرقص الما. وكان لابد مما ليس منه بد... الإنهيار... ثم الاعتراف.

واعترف حسن بكل شيئ، وأقر بانه اسرائيلي يحمل رتبة عقيد في الجيش الإسرائيلي وانه عمل مدربا لوحدة خاصة تابعة للفرقة الثانية المتمركزة في ارتريا (أطلق عليها في عهد الدرق الجيش الثاني) وانه كلف بجمع معلومات عن الثورة الارترية عامة والمنطقة العسكرية الرابعة خاصة... وانه وانه...

وبحصول القيادة على الاعتراف الذي كانت تسعى اليه، توقف التعذيب.. لكن الرقابة شددت على "حسن" لأن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين... وبدى حسن بعد ذلك ودودا ومتعاونا، وانس الى حراسه.. قال محدثي:

"تستطيع ان تقول انه صادق حراسه، وبعد ان كسب ثقتهم بدأ في التواصل معهم وأعترف لهم بانه تعرض للكثير من اساليب التعذيب والتحقيق، ومارسها بدوره على الآخرين..لكنه لم ير في حياته قط مثلما رآه وتعرض له من تعذيب على يد الثوار الارتريين.الذين اشاد بهم وبقدراتهم وكفاءاتهم العسكرية وتضحياتهم في سبيل قضيتهم ووطنهم.. وعندما سئل عن انهياره واعترافه المفاجئ قال: (فضلت الإعدام شنقا أو رميا بالرصاص على الآلام التي تعرضت لها خلال تعليقي في الجو).

ولكن... هل فكرت قيادة المنطقة الرابعة في اعدام حسن ؟؟

كانت وجهة نظر القيادة واضحة. مصير حسن تقرره القيادة السياسية. لكن الأوامر كانت واضحة بالنسبة للحراس: "اطلقوا النار عليه في حالة محاولته الهرب" وأحيط حسن علما بذلك وخير بين البقاء حيا - ولو الى حين - أو الموت رميا بالرصاص في حالة اقدامه او محاولته الهرب. فاختار الحياة على الموت على أمل الإفراج عنه في المستقبل القريب.

وسألت محدثي: هل استفادت قيادة المنطقة العسكرية الرابعة من المعلومات التي قدمها حسن، ومن خبراته المتعددة في مجالات مختلفة ؟؟

قال محدثي: "قدم حسن معلومات في منتهى الأهمية عن الجيش الأثيوبي وتسليحه وتدريبه وخططه في مواجهة الثورة الأرترية.. واستفادت منها الثورة الارترية بالتأكيد... لكن قيادة المنطقة الرابعة لم تحاول الاستفادة من خبراته اطلاقا... لأن اقدامها على خطوة كتلك كانت ستفسر تفسيرا يسيئ الى سمعتها وكانت ستتهم بالعمالة لأسرائيل،، وان تهمة كهذه كانت ستلقي بظلالها على القيادة السياسية بالخارج (وتحديدا عثمان صالح سبي) وستنعكس سلبا على الثورة الارترية.وعلى علاقاتها بالعالم العربي.

وانزاح الكابوس:

وبعد مؤتمر أدوبحا واختيار القيادة العامة، كان لابد لكابوس اسمه الجاسوس الإسرائيلي حسن أن ينزاح عن حياة قيادة المنطقة الرابعة.. الى الأبد... فتم تسليمه الى القيادة العامة التي اصبحت مسئولة عنه ومعنية بتقرير مصيره بالتنسيق مع القيادة السياسية.

فماذا كان قرارها ؟

هنا اختلفت الروايات باختلاف المصادر.

بعضها ذكر ان "حسن" سلم في مدينة كسلا لمندوب السفارة العراقية في السودان.

وبعضها أكد أنه سلم لجهاز الأمن السوداني.. وتحديدا للملازم ثان جعفر.

كان الملازم ثان جعفر على علاقة وثيقة بالقيادة العامة، وكان تأثيره ونفوذه على بعض اعضائها واضحا لدرجة ان الارتريين أطلقوا عليه العضو التاسع والثلاثين للقيادة العامة" التي كانت تتألف من 38 عضوا.

وبعد أيام من تسليم "حسن" ظهر الملآزم جعفر في شوارع كسلا، بعد أن منح نجمة اضافية ورقى الى رتبة ملازم أول. وتطورت علاقته بالقيادة العامة بعد ذلك وتعددت مهماته ومسئولياته.

وتلك قصة أخرى.. قد يحكيها لنا من عاصرها.. وشهد فصولها.. وعرف ابطالهاعن كثب.

وكان الله بالسر عليمــــــأ وبــه ومـنـــه التوفيق أولا وأخيرا.

اشادة لابد منها:

الأخ محمد عثمان حمد، واصل - مشكورا ومقدرا - ترجمة ما تراه مفيدا، فنحن أحوج ما نكون الى قراءة ما يكتبه الآخرون - من الشمال الى اليمين والاطلاع على ثمرات اقلامهم وتجاربهم.. جزاك الله خيرا على عملك هذا، ووفق الآخرين الى ان ينحو نحوك ليقدموا لنا ترجمات من لغات أخرى.

Top
X

Right Click

No right click