من مسيرة جيش التحرير الوطني لجبهة التحرير الإرترية - الحلقة الرابعة والخامسة والثلاثون

بقلم المناضل الإعلامي: أحمد عبدالفتاح أبو سعدة

بعد أيام اتصل بي الأخ صالح أياي وقال لي يا أحمد يجب أن تحضر إلى السودان فورا الأوضاع تتفاقم نحو الأسوأ ووجودك

ضروري جدا.

نفذت ما قاله لي أخي وصديقي المناضل صالح أياي وسافرت إلى الخرطوم ومنها إلى (راساي) وهناك التقيت بالأخوة المناضلين الدكتور يوسف برهانو وعمر محمد وحسين خليفة وتناقشنا في تردي أوضاع الجبهة ولم أصل إلى أي نتيجة والشيء الذي قلته لأصدقائي القياديين هو:-

إن وضعكم هذا غير صحي، إن المرأة الحامل إذا لم تلد طبيعيا فابحثوا لها عن طبيب فهيم (ليولدها)...؟! الوضع كان في حاجة لولادة قيصرية عاجلة لأن الجنين يمكن أن يموت والجنين يجب أن يرى النور ويتنفس الهواء والهواء النقي وكنت أقصد إعادة وحدة الجبهة، كنت أريد جراحا ماهرا يعيد الأمل للشعب الارتري لا أريد جزارا يقطع ما تبقى من الجنين، أريد ولادة طبيعية تتم بالتفاهم ما بين الأم والجنين، كنت أريد طفلا صحيا معافا يكبر ونكبر معه، والحوار هو الطريق السليم للولادة... (إن ما سمي الأمين العام للجبهة الشعبية أسياس أفورقي قال: سوف نذوب جبهة التحرير الإرترية) وللأسف هذا ما كان يحصل لكن من المستحيل أن يذوب أحدا الشعب الإرتري، لا أفورقي ولا كل القوى المعادية تستطيع أن تذوب الشعب الإرتري..

في (راساي) كنت أبحث عن المقاتلين وأشحذ هممهم فقد كان المقاتلون يعتبرونني أخا وصديقا وفيا لهم، كانوا يرتاحون لي ويفضون لي بأسرارهم حتى الخاصة منها، كان الكثير من المقاتلين قد التقيت بهم في أماكن عديدة من إرتريا، تقدم مني أحد الثوار وقال لي:-

أنسيتني يا أبو سعدة.

كيف أنساك يا خليفة، ألم تكن تحضر لي الماء لأطفيء ظمأي ونحن في طريقنا إلى (سرايين)، والحقيقة أن هذا الشاب الطيب كان يرتاح لي وعندما كنت أطلب منه شيئا وخاصة عندما أقول له أرجوك أن (تدلق) الماء على رأسي لأغسله، ومقاتل آخر التقاني اسمه (برهاني) كان قد رسمني في بداية رحلتي إلى دنكاليا رسمني وأنا سمين ممتلئ وفي منتصف الطريق عاد ورسمني وأنا نحيل وعندما وصلنا رسمني وأنا هيكل عظمي... هذه الرسوم كانت عبارة عن خطوط غير مفهومة ولا يفهم منها غير المحبة والمودة والسعادة لكلينا، هو سعيد لأني صورته بكاميرتي وأنا سعيد لأني بجانبه بجانب الحق، كان هذا المقاتل (برهاني) (مع طوف حامد محمود) أثناء تحرير المدن الإرترية وفي خور (راساي) وهي منطقة حدودية كنت أتنقل بين المقاتلين وجدت الأخ الغالي حسين خليفة جالسا مع بعض العسكريين يتناقش معهم باهتمام بالغ فقلت له:

أنا أشعر أن في الجو شيئا والعاصفة أصبحت قريبة.

وقف الأخ حسين خليفة وقال لي: متى ستغادرنا يا أبو سعدة...؟

هل أنا ثقيل عليك يا حسين لهذه الدرجة...؟

لا... لا... لا أبدا إنما رفيقك محمود حسب يبحث عنك ويريدك لأمر ضروري جدا وهو ينتظرك في كسلا.

هززت رأسي وتركته وقد شعرت بأن شيئا يحدث في الخفاء، ذهبت إلى خيمتي القريبة من خيمة أحمد ناصر وجلست على باب الخيمة لوحدي أفكر ماذا سيحدث، مر من أمامي الدكتور يوسف برهانو حاملا بيديه صحنا كبيرا جاء وسلم علي وجلسنا دقائق مع بعضنا نتكلم بدون معنى ثم انصرف، كانت أفكاري مبعثرة، كنت أحاول أن أجمع خيوط ما حصل وما سوف يحصل، ذهبت إلى مكان تواجد أحمد ناصر وكان الوقت ظهرا وجلسنا سوية تحت صخرة كبيرة جدا يسندها حجرة صغيرة، قلت لأحمد ناصر:

يا أبو حميد لدي إحساس بأن شيئا ما سوف يحدث....؟ لم يعلق..

حضر المناضل موسى وقال لي:

حبابك يا أبو سعدة... الغداء جاهز.

أكلت مع المناضل موسى وأحمد ناصر وكان هذا آخر غداء لي مع أحمد ناصر بل كان آخر لقاء التقيت به في ارتريا.

قلت لأحمد ناصر:

اسمع يا أبو حميد، هل هناك شيئا تعده أنت وأخوانك في الخفاء ولا أعرفه أنا ولا أعرف مداه، إن المقاتلين غير طبيعين، ثم سألته: (هل ستضع المرأة)...؟

لم يجبني أحمد ناصر عندها تركته وعدت إلى خيميتي ولملمت في ذهني مشاهداتي للمقاتلين ولبعض القادة ولكلام حسين خليفة وكلام المسؤول العسكري عثمان صالي لي والكلام الذي قاله لي صالح أياي عندما أخبرني بأن علي أن أحضر بسرعة، عرفت ما سيحدث وربما اليوم أو غدا، قلت مخاطبا ذاتي (إني لا أستطيع أن أكون شاهدا على مجزرة لأهلي وأصدقائي يمكن أن تحدث ولا أستطيع كذلك منعها...).

عدت إلى كسلا وأنا مهموم شارد الذهن نزلت في بيت أحد المقاتلي حيث كان ينتظرني مناضل شاب قال لي إنه مرسل من طرف محمود حسب وأن كل الأخوة ينتظزونك في بيت محمود وذهبت إلى بيت محمود الذي استقبلني صديقي الغالي بكل ود وكان على أحر من الجمر بانتظاري، لقد كان يريد أن يقول لي (غد سوف نقوم بالجراحة وتوليد المرأة، غد سوف يرى الجنين النور) في المنزل الذي استقبلني فيه محمود وجدت كل من عبد الله إدريس - حامد محمود - حامد آدم سليمان - يوهنس ذرء ماريام - عمر سليمان) ولم أجد صالح أياي معهم، سألتهم:

ماهذا الاجتماع، هل هو مجلس حربي أم مجلس قيادة ثورة جديد، أم مجلس أصدقاء وأحباب.

ضحك البعض منهم والبعض الأخر لم يفهم ماذا كنت أعني، لكن عبد الله إدريس قد فهم تماما ماذا أعني...

تحدثنا عن انهيار الجبهة وعلى من تقع المسؤولية وكان اقتراحي أن نعيد لملمة الصفوف بالحوار لتعود الجبهة وتقف على قدميها، وبعدها لكل حادث حديث.

لم يرق كلامي لمعظمهم،فقد كانو يريدونني لأمر آخر وطبعا لم أستجيب، ودعتهم وأنا بخوف مماذا سيفعلون غدا، غادرتهم والخوف يملأوني بما يحدث.

في ليلة 24 التي تلاها 25 آذار/مارس 1982 في تلك الليلة لم يغمض لي جفن، كنت متألما خائفا، مذعورا، ضعيفا، مريضا، ولا أملك الدواء ولا ثمنه الغالي، الغالي جدا الدواء الذي هو (الحوار) فلا أحد من القيادة يريد دفع ثمن الحوار وهو الشفاء إلا لصالحه الشخصي:

قبل بزوغ الفجر أي فجر يوم 25 آذار/مارس خرجت من مكان إقامتي وانطلقت أبحث عن السائق السوداني الإرتري الذي كنت أتعامل معه أثناء بحثي عن صديقي السائق كان عبد الله إدريس وإخوانه أعضاء المجلس الحربي...؟ يتحركون من كسلا إلى منطقة (راساي) في ذلك اليوم أي 25 آذار/مارس 1982 أطلقت الرصاصة الأولى وكان ماكان...؟؟!

الى اللقاء... فى الحلقة القادمة

Top
X

Right Click

No right click