وداعَا أيها الفارس المغوار علي محمد سعيد برحتو

بقلم الأستاذ: حسين محمد باقر - كاتب وبـاحث

بِسْمِ ٱللّٰهِ ٱلرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

"يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي" صدق الله العظيم

علي محمد سعيد برحتو

لم أفكر ابدَا ان الايام ستحملني يومَا أن أنعي بقلمي المتواضع فروسية رحلت وبطولة غابت عن دنيا الوجود. ولم اتخيل إنني سأكتب سطرَا في حق رجل أوقد داخلنا شمعة الأمل. وعلى الرغم من ايماني الكامل بقضاء الله وقدره وأن الموت حق ولا رادَا لحكمه الا انني تمنيت من القلب لو طالت أيام هذا الفارس بيننا ولكن ارادة الله شاءت ولا اعتراض لحكمه.

مشاعر متناقضة أعترتني وقت ما سمعت النبأ المفجع بوفاة القيادي البطل والحقوقي الفذ والمثقف البارع الوطني الغيور صاحب ماضي مشرف وحاضر أبيض الأستاذ الكبير علي محمد سعيد برحتو.

أمسكت بفلمي لأكتب مرثية في حق البطل الغائب بل لأرد بضاعة الوفاء لقيادي لا يتكرر رافقته بشرف في رحلة نضالية طويلة منذ ان كنا في الوطن.

سأبدأ من طفولة الفارس التي حيرت الجميع وأقف عند ذكائه الذي تخطى حاجز العمر بدا لمعلميه في المرحلة الابتدائية مدهشَا ولافتَا وغريبَا. أتعرض في عجالة لقصة المعلم السوداني الذي أندهش بثقافته وذكائه وأدبه الجم حتى قال المدرس وهو مازحَا: ان هذا الفتى الأبيض ليس من أهالي هذه البلدة (مسقط رأسه حرقيقو).

الذكاء الفطري التوقد كان ارهاصًا لمشوار طويل من النجاح. ففي كل من مراحل العمر كان القيادي الأستاذ علي برحتو يضرب به المثل والنموذج على تفرده وتميزه عن قرائن عمره ورفقاء سنه، ومع الذكاء كان عشق الكتابة واحترام القلم والولع بالخطابة والإلقاء. ليس هذا فقط بل يأتي ضبط المخارج وسلامة التعبير مزية الآهية منَّ الله بها على الفارس.

ويحضرني و أنا أستعرض المزايا والخصال قصة كنت سمعتها ممن كانوا شهودًا فعند بلوغ برحتو سن الرابعة عشر ارتقى منبر (مسجد سيد طاهر) في بلدة حرقيقو ليلقي كلمة بمناسبة ولادة الرسول "صلى الله عليه وسلم" وكانت الكلمة من ابداعات المترجم والمثقف الكبير محمد عثمان حسن حبيب رحمه الله. ولأنه كان رائعًا في سرده جميلا في صوته ملفتًا للأنظار في هيئته - وقف الجميع أمام خطبته على خط الذهول والإعجاب.

لم تقف رحلة الطفولة عند الولع بالكلمة وعشق الكتابة بل كان هناك ولع آخر بالعمل واكتساب الرزق حيث عمل برحتو في مكتبة خاله بشير عثمان بشير لا ليجنى رزقًا فقط بل ليلتهم وجبات الثقافة وهي تتراص أمامه على الأرفف وبالفعل قرَّبت له المكتبة دون أن يدري جسرًا جديدًا للمعرفة عنوانه مجلة (آخر مساء المصرية) حيث شارك برحتو من اريتريا في احدى مسابقاتها التي تداعب صفوة الطلاب المتميزين بمنحة دراسية حال تقديمهم عملا ابداعيا وبالفعل اختارته المجلة فائزًا وعلى الفور ذهب الى مصر بمفرده متسللا – معرضًا نفسه للخطر لينعم بزيارة صرح (أخبار اليوم العملاقة) وليفوز بصحبة قامات الإعلام. هذه الزيارة التي قطع فيها المسافات الطويلة ادهشت مدير تحرير (اخر ساعة) وقتذاك الأستاذ حلمي سلامة منصور الذي نساءل مستغربًا : كيف يقطع صغيرا هذا المشوار الطويل وحيدًا من أجل مقال في (بريد القراء).

فاز برحتو بمنحة (آخر ساعة) الدراسية وأكمل دراسته بمدرسة حلوان الثانوية وتميز فيها تميزًا أثار دهشة الجميع حيث لفت بإبداعه اعجاب المنظمين للفصائل السياسية ممن اقتربوا منه. وعلى الرغم من اعجاب كلٌ بأفكار الآخر الآ ان برحتو لم ينضم كعضو أصيل في أحد الفصائل بل أكتفى برفقه وصحبه ينعم فيه بالمزايا فقط.

محطات عامرة بالنجاحات كانت مصر مهد ميلادها حيث أكمل رحلة نجاحه بدخوله كلية الحقوق جامعة القاهرة مبديًا تفوقًا فاق المتوقع شهد به الأساتذة جميعهم، كما حرص في مواظبة حضور الحلقات الدراسية في الأزهر الشريف الذي اثرى معارفه وعلومه اللإسلاميه.

ومع ثراء المحطات السابقة بكل ما حملت من فصول اجتهادية رائعة كانت ارينريا هي الهم والهاجس بل والحلم أيضًا،كان حلمه الوحيد مختزلا في كلمتين (اريتريا للاريتريين).

عاد الأستاذ برحتو من مصر الى وطنه وعين مدرسًا في مدارس أوقاف حرقيقو الأهلية (مسقط رأسه) ثم أنتقل الى مدينة أسمرا في مدرسة الجالية العربية وأتيح له في تلك الفترة التعرف على رجالات (حركة تحرير اريتريا). هذا التعارف لم يكن الأول حيث كان برحتو متواصلا مع قيادات الحركة عن بعد وهو خارج الوطن.

انتقال جديد في دنيا الأستاذ برحتو رحمه الله المليئة بالنجاحات - سافر خلالها الى اديس ابابا حيث عمل في الخطوط الأثيوبية كمستشار قانوني. كما سافر الى الولايات المتحدة الامريكية حيث حصل على شهادة الماجستير في القانون الدولي.

وفي عام 1963م قام الأستاذ برحتو مع بعض شباب مسلمي اثيوبيا في تأسيس جمعية أطلق عليها (جمعية مسلمي اثيوبيا) وكان ذلك التأسيس متزامنا في ميقاته مع عيد الأضحى المبارك. وفد تشرفت شخصيا (كاتب هذه المرتبة) بالمشاركة في فعاليات احتفالات التأسيس مع اخواني وزملائي الطلبة اذكر منهم : الدكتور مكنون جمال الدين والأستاذ حنفري سلطان علي مراح والأستاذ محمد سلطان علي مراح رحمه الله والدكتور ابراهيم قاسم شحيم رحمه الله والأستاذ عثمان محمد عبد الرحمن رحمه الله وكوكبة من الشباب حيث القى شهيدنا الغالي في تلك الأمسية محاضرة قيمة تناول فيها (تأسيس الدولة الاسلامية الأولى في المدينة المنورة وكيفية توسعها وأنتشارها زمن وجيز تفاعل معها الحضور. فعلى الرغم من أن الجمعية كانت فد تحصلت على ترخيص رسمي الآ ان السلطات الأثيوبية انزعجت من الحشد الضخم الذي لم تستوعبه قاعات وساحة كلية البناء والتعمير التي أقيم فيها الاحتفال.

واذا كان ما قمت باستعراضه على سطور مقالي عن شهيدنا الأستاذ برحتو عظيمًا ومشرفًا يبقى صفات وخصال أهلته ليعيش في الأفئدة بعد الرحيل. فبرحتو كان حافظًا للأسرار أمين حافظًا للاسرار يكره النفاق والتدليس. لا يساوم ولا يهادن على حساب مبادئه وقناعاته عفيف اللسان يترفع عن الصغائر عاش عنوانه الشموخ والعزة متفائل على الدوام لا يعرف التخازل ولا الانكسار. مهما بعد الهدف، شجاع لاينحني أمام الصعاب والأخطار.

على صعيد الابداعات أصدر برحتو عدد من الكتب ابرزها (نحو ميثاق للتحرر الوطني) عام 1989م و (هذا هو الحل) في عام 2001م.

ومع هذه الخصال المتفردة التي قلما تجتمع في انسان لم ينصف الإعلام برحتو ولم يمنحه حقه الطبيعي في اظهار نجاحه للملأ.

هذه الصفات رأيتها في الشهيد. فأصبح لزامًا على ان أدونها على سطور بيضاء بنفس لون رحلته.

تنقل الشهيد برحتو بين البلدان العربية في مهام مختلفة. وفي كل موقع عمل فيه كان مثالا للنجاح.

أعتلى برحتو رئاسة المجلس الوطني للتنظيم الموحد وسافر الى مصر وبيروت والصومال وساهم برفقة رجال فرسان في تدشين مكاتب للتنظيم في كل من هذه البلدان كان له الفضل في تأسيس (حركة الحقوقيين الاريتريين) التي كانت تحمل عضوية مراقب في اتحاد المحامين العرب.

قدم برحتو مواقف بطولية رائعة من أجل وطنه وكان الوقود المحفز للكثيرين لكي يحزو حزوه بل كان حامل الشعلة التي أنارت طريق المعارضة الإريترية.

كلماتي عن رمز النضال والمعارضة ليست رثاء بل كلمات معطرة برائحة الفخر.

وداعا للشهيد ووعد للبطل أن نسير على ذات المضمار الذي رسمه للوطن مع رفيق دربه الزعيم الراحل عثمان صالح سبي، وان يكون كل منا استنساخ لبطولة رجل غاب عن الدنيا ولكنه لا يزال يعيش في الذاكرة.

رحم الله الشهيد وأسكنه في الفردوس الأعلى.

Top
X

Right Click

No right click