تداعيات حول رواية فريج المرر - الحلقة الثانية والأخيرة

بقلم الأستاذ: صلاح محمد الحسن القويضي

على مستوى اللغة تطرح رواية فريج المررنفس الأسئلة الكبرى التي درحتها روايات من ذكرت وبعض مجايليهم في الكتابة

رواية فريج المرر

عن (السجل اللغوي) - إن صحت ترجمتي للمصطلح الفرنسي (le registre de langue). فقد ظلت الآراء والأذواق تتراوح بين تحبيذ وذم هذا السجل اللغوي أو ذلك.

أعتقد أن خيار الناظر قد فرض عليه من خلال طبيعة الشخوص والمكان. فالكاتب وهو سوداني يكتب عن مكان خليجي وشخوص متعددة الجنسيات واللغات والثقافات لم يكن أمامه من خيار سوى أن يكتب بلغة عربية فصحى، خاصة وهو يتوجه لقاريء عربي في المقام الأول.

لكن هذا الخيار لم يوقع الكاتب في (الجمود اللغوي) واعتماد لغة منمطة ووحيدة النغمة (monotone). فالخطاب اللغوي في الرواية تتعدد مستوياته واساليبه بتعدد حالات وضرورات السرد وتقنياته. الناظر يستهل روايته باقتباس شعري لشيخنا الفيتوري يتميز بلغته العالية الايقاع الرفيعة المفردة:-

بعض عمرك ما لم تعشه
وما لم تمته
وما لم تقله
وما لا يقال
وبعض حقائق عصرك
أنك عصر من الكلمات
وأنك مستغرق في الخيال

لينتقل إلى استهلال يمضي في ذات منحى (التجريد الفلسفي) ليكتشف القاريء في الختام أن السياق السردي بمجمله ليس سوى حيثيات لإثبات الفرضية التي وردت في الاستهلال:

"دبي مدينة لا تنتبه كثيرا إلى الأغرابن إلى أسمائهم، أنسابهم، بقدر ما ينتبهون هم لحضورهت. إذا لم تكن غريبا، وحيدا فإنك لا تعنيها كثيرا"

إنها السطوة الكلية للمكان والتي لا تني تتبدى من خلال أحداث الرواية كلها.

تحتشد لغة الرواية بشاعرية جذابة لكنها موظفة لخدمة السر. فحتى في مطلعها الذي يبدو (كمانيفستو) تفسيري لنهج الكتابة يتجاور الشعر والسرد في ثنائية باذخة:

"الزمن في هذا المكان كائن غريب يبدو كما لو أنه أمر طاريء خيط مشدود فوق هاوية سحيقة لن يلبث أن ينكمش على نفسه مثلما تنكمش أفعى إلى جحرها فجأة وتغيب للأبد"

فرغم الطبيعة (الشعر فلسفية) لهذا المجتزأ من مطلع الرواية إلا أن الصورة المرسومة بدق سينمائية (هاوية - سحيقة - ينكمش على نفسه - تنكمش أفعى - إلى جحرها - وتغيب) تمنحه قيمة سردية عالية ستلقي بظلالها على مجمل النص الروائي.

شكل اللعب بذكاء على الثنائيات وتناقضاتها سمة واضحة في (هندسة النص اللغوية) عبر المقابلة بين (الهروب من الماضي - الغرق فيه اكثر) (فجائع السنوات الماضية - اوحال الراهن الآسنة) (الألم - التطهر والشفاء والخلاص من عذابات الروح) (الألم - اللذيذ) (التاريخ - الحاضر).

وكلما استدعت الضرورة السردية فإن المؤلف ينتقل بشجاعة من هذا السجل (الراقي) لسجل غارق في الإعتيادية كما في لحظات عدة اخترت منها حواره مع السائق الآسيوي:-

• وين روح سير؟ قال سائق التاكسي الباكستاني.

أو حتى للغة هجينة تجمع بين العربية والانجليزية:-

• أين هذا المكان ؟ هذا فريج المرر أولد دبي !

أو قول الحبشية:-
• إتفدل
• إتفدل يا زول

أو حتى اللغة الحبشية:-
• كونجو بنا
• أمسفينالو

وفي مثل هذه الحالات يلجأ المؤلف لإدراج هوامش تترجم معنى الكلمات غير العربية.

ولا يتورع المؤلف ولا تعوذه الشجاع لينتقل للغة أقرب للغة التأمل الفلسفي:
"ما أعجب هذه المدينة؟ يكاد الأسبوع الأول ينقضي ولم يسلم علي أحد في شوارعها أو يدعوني إلى بيته أحد. الغريب في بلادنا غريب، تعرفه أول ما تقع عيناك عليه يتلقفه الناس ويقسمون عليه ليبيت هنا أو يستطعم هناك. أما هنا فالكل غريب، والكل ضيف والكل عابر سبيل...إنها جقا مدينة الغرباء...".

تحتفي لغة حامد الناظر احتفاءا خاصا بوصف المكان. لكنه يفعل ذلك من خلال البشر والحدث في توازن غير مخل بين عنصري (الحكي) عبر الجملة الفعلية و(الوصف) عبر الجملة الفعلية:-

• أغلب سكان هذا السوق والعاملين في متاجره ومحلاته من الآسيويين والعرب والإيرانيين. إلا أن طابعه العام أفريقي صرف - خاصة في الليل - إنه المكان الوحيد في دبي الذي يفهم مزاجنا نحن السودانيين.

لم أفهم ما قصد بمزاجنا، لكن لا مفر من محاراته ريثما تسعفني تأملاتي في المكان بشيئ ما.

في غير ما إطالة أو استطراد أو إكثار من الإقتباسات يمكنني القول أن مستويات اللغة تعددت في الرواية بين العربية الفصحى والدارجة واللهجات واللغات الأجنبية. لكن الناظر وظف كل هذا التنوع والثراء في خدمة (السرد) كقيمة أساسية للفن الروائي مسلما نفسه للضرورات مستعينا عليها بمعرفة ممتازة بلغته الأم ومعرفة معقولة بغيرها من اللغات.

اللغة خيار حر للكاتب. لكن مكان الرواية وزمنها غالبا ما يفرضا نفسيهما على المبدع فرضا. وذلك ما قصدته بتساؤلي عن هل اختار حامد الناظر (فريج المرر) كمسرح لأحداث روايته أم أن فريج المرر قد اختاره. وشخوص الرواية - بحكم إنتمائها للمكان - تدخل في باب ذلك (الفرض) الجزئي أو الكلي. شخوص رواية فريج المرر هن بنات وأبناء المكان. الأقدار وحدها ساقتهن وساقتهم إلى هناك سوقا ثم ألقت بهم في طريق الراوي - أو ألقت به في طريقهم - فالأمر سيان.

تناولت في الجزء الأول من هذه التداعيات شخصية الراوي وتحدثت عن ملامح (الغريب) فيها. على أن ذلك لا ينطبق فقط على الراوي وإنما عى أغلب شخوص الرواية. ففيهن وفيهم تجتمع وتتفرق شروط الغربة المكانية والزمانية والثقافية. شخوص الرواية في غالبهم لا جذور لهم في فريج المرر فهم لا يرتبطون به إلأ بحكم الإقامة - المؤقتة - وإن امتدت. كما أنهن / أنهم ينتمين / ينتمون لأزمنة وثقافات أخرى اجبروا بحكم (الأقدار) على التخلي عن قدر كبير منها ليوفقوا أوضاعهم في فريج المرر. مما ذكرني بقول الشاعر العربي أبو فراس الحمداني:

ولكن الفتى العربي فيها غريب الوجه واليد واللسان

هذه (الغربة) ألقت بظلالها على المكان نفسه ففريج المرر كفضاء مدني فقد بمرور الزمن ملامحه الأصلية وتحول لمكان ثنائي (الغربة) فهو غريب بالنسبة للوافدين عليه من آسيا وأفريقيا كما أنه صار بحكم التحولات التي لحقت به غريبا بالنسبة لسكانه الأصليين من (المرر). بدا لي الفريج خلال قراءتي للرواية تجسيدا لعالم الخليج العربي المعاصر. فالخليج العربي - بحكم حراك (العولمة) وتطورات ما بعد اكتشاف النفط - يصبح أكثر فأكثر عالما (غريبا) بالنسبة للوافدين وغريبا للسكان الأصليين على حد سواء. وتلك ظاهرة توجد في الكثير من مناطق العالم لكنها تتجسد بصورة مكثفة في بلدان الخليج العربي حيث تختل نسب التركيبة السكانية فيفوق عدد (الوافدين) عدد السكان الأصليين في كثير من المناطق. ورواية فريج المرر استطاعت - من خلال السرد والأحداث وتقاطع العلاقات بين شخوصها - أن تبرز ذلك أفضلمما يمكن أن تفعله أي دراسة إجتماعية متخصصة.

كنت أود أن أتناول بصورة مفصلة الخصائص الروائية لشخوص حامد الناظر لكن المجال لا يسمح بذلك هنا. لكنني سأعود إليه في مقالة منفصلة. لكن لا بأس من تناول الملامح المشتركة وغير المشتركة لبعض شخوص الرواية. فتيات الرواية في أغلبهن شرق أفريقيات يعملن في مجال صناعة الفندقة والضيافة وهوامشها السالبة (تجارة الجسد). ومن خلال الأحداث يستشف القاريء علاقة نسب بعيد بينهن وبين (المومس الفاضلة) لسارتر. والناظر في سرده الممتع كان حريصا على أن يقدمهن إلينا (كما هن) بدون أي ميل للتجريم (الشوطنة) أو التبرئة (بعرضهن كضحايا). تتحرك فتيات رواية فريج المرر بعفوية وبصورة أقرب لما يحدث في أرض الواقع فيكشفن لنا - من خلال تلك الحركة السردية - عن الجوانب المظلمة والمضيئة، السلبية والإيجابية، الخيرة والشريرة فيهن وفي المجتمع.

وأود أن أذكر هنا خاصية أخرى للرواية. فرغم أنها قد تناولت أمرا مسكوتا عنه (البغاء العلني والسري) إلا أنها فعلت ذلك بإتزان وبدون أن تغرق في الإبتزال والمتاجرة بالصور والمشاهد الجنسية. وهو للأسف ما أصبح بعض الروائيين يلجأون إليه بحثا عن (التسويق) وركضا وراء الجماهيرية وسط الشباب:

"بعد قليل جاءت نادلة من أسفل المقهى. سلمت على عباس وقبلته على خديها، وقبلها هو أيضا" فقد حكى لي بعض من عاش في الفريج أن قبلة النادلة لا تكون دائما (على الخد).

بل إنه يلجأ أحيان لاستخدام الأقنعة اللغوية لكي يتحاشى استخدام لغة جنسية فاضحة في وصف المشاهد:

"ثم سمعت خشخشة الملابس ومناغاة غريبة في صوت الفتاة... أظن أنها أقتربت منه أو التصقت به... فقد بدأ صوته يتهدج".

فريج المرر رواية تحقق شروط الإمتاع والجمال لكنها لا تخلو من بعض مواضع الخلل هنا أو هناك. ففي بعض المواقع - خصوصا في الإستهلال ولأكثر من صفحة ونصف - يفارق الكاتب خط (السرد) الذي التزمه ليطرح بعض الرؤى والمفاهيم بطريقة فيها بعض التطويل الذي لا يحتمله عمل سردي. كما أن الناظر في بعض المواضع يميل لطرح رؤى مجردة حول قضايا (التاريخ والهوية الثقافية والحضارية والزمن) من خلال مقاطع فلسفية تبدوا (مقحمة) في سياق العمل السردي الجميل (مثل حديثه عن ألزا واستير في صفحتي 14 و15)، مفارقا بذلك الخط البنائي السائد في أغلب مبنى الرواية السردي.

عموما فإن رواية فريج المرر رواية قادرة على إغواء أي قاريء ليس فقط لأن يلتهمها في لقمة واحدة - بل لأن يعيد قراءتها عدة مرات - ليغرق في عوالمها الجميلة ويجد في شخوصها شذرات من ذاته وفي غربتهم بعضا من غربته وفي مكانها بعضا - ولو قليل - من مكانه. وأغلب ظني أن الرواية هي إفتتاح (لنشيد روائي) متواصل أتمنى أن يتواصل. مختتما بشكري وسعادتي الغامرة بإهداء حامد الناظر لي نسخة من روايته الأخرى (نبؤة السقا) متمنيا أن أجد فيها درجة أعلى في سلم ترقيه في عالم الإبداع الروائي وأن تدفعني لأكتب عنها كما فعلت مع (فريج المرر).

للتواصل مع الكاتب: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

Top
X

Right Click

No right click